هي أيام ـ وإن طالت ـ ويتحول السؤال، عنوان المقال، إلى واقع!

فما عساه يكون هذا الواقع الجديد؟

كما أفرزت التركيبة، السياسية والثقافية والاقتصادية «المتغيرة باستمرار» في المجتمع المصري، هذا النظام، فهي ما ستفرز جديدًا؛ بتغيرها، أو تعيد إنتاجه، إن انتهى بأية طريقة كانت، إن لم تخضع بدورها لتغير جذري.

فمقصدي من «ما بعد» هو كلا المعنيين المترابطين المتبادرين للذهن: النظرة الاستشرافية، ومحاولة استقراء المستقبل القريب من ناحية، ومحاولة فهم ما هو أبعد وأعمق من مجرد شخص، وإن كان رمز السلطة والنظام.

وبداية، فلا أمل في التغيير، بدون أمل في التغيير؛ فالعقبة الكؤود التي تواجه من يحاول إحداث حراك لتغيير وضع قائم، أو مجرد التفكير في ذلك، هو الإحساس بالقنوط، وعدم جدوى المحاولة، والذى كثيرًا ما يفرض نفسه، في ظل الإنهاك المستمر للمعارضين، والضربات العنيفة التي تلقتها كافة أطياف المعارضة «كل بحسب وزنه».

بالإضافة إلى خيبة الأمل التي سببتها مواقف العديد من الشخصيات العامة، التي وضعت في مكانة لا تستحقها، فانحطت ثقة الكثيرين في أنفسهم، وجعلت انسحابهم من الميدان أشبه ـ بالضرورة ـ لالتقاط الأنفاس، وتبين الطريق في ظل غياب القيادات، وتحطم التنظيمات وضبابية الأهداف.

فالهدف الأول هو كسر حالة الجمود السلبي فكريًا، في المقام الأول، بالخروج من دائرة الملاسنات، والملامة المغلقة، إلى دائرة التفكير الإيجابي، وطرح سؤال: ما العمل؟ بديلًا عن سؤال: من المخطئ؟ وانتقاد الأفكار والمواقف؛ في سبيل تجنب تكرارها، لا على سبيل المزايدة على مرتكبيها.

ومن ضمن أبرز الانتقادات التي توجه إلى المعارضة المصرية: أنها تقصر صراعها مع السلطة، في محاولة استبدال أشخاصها؛ فبينما يعترف الجميع بأن أهم أسباب الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو المركزية الشديدة، لم يحاول طرف سياسي تسويق تصور ما لمحاولة تفكيك السلطة، وتقسيمها بين المؤسسات المحلية والقومية بأنواعها، فيما أعلم، درءًا للطغيان، بل التركيز كان دائمًا منذ يناير على شخص الرئيس، وتم تسويق رؤية «أن إزاحة فلان أو وصول علان لكرسي الرئاسة، فيه انتهاء كافة المشكلات، وتحقيق الانتصار النهائي.

ولكن هل الانتصار يكمن في إعادة تركيز السلطة بيد فرد أو مجموعة صغيرة ذات قناعات سياسية واحدة؟

الدولة الحديثة هي مؤسسة المؤسسات في المقام الأول، ولهذا تبدو تلك الأفكار ـ القائمة على انفراد الرابح، شخصًا أو حزبًا بالسلطة ـ غير منطقية؛ فطبيعة السلطة ـ في الدولة الحديثة ـ ترفض ـ بتكوينها ـ الانفراد، وغياب التشاركية، وتقاسم السلطات، والاختصاصات بين المؤسسات، إنما يعنى انحطاط الدولة، وتخلفها، وأثر ذلك في تفشي الفساد، وانعدام المساواة، وفشل محاولات التنمية، أوضح من أن يشار إليه، ولكن موقف المعارضة ـ هنا ـ هو ما يستحق الوقوف عنده.

فالتعصب الحزبي/الأيديولوجي «الطفولي في كثير من الأحيان»، والذى جعل المعارضة ـ في كثير من الأحيان ـ تأخذ شكل «الألتراس»، لا يجد تفسيره، إلا بتأثرها بالسلوك الطائفي للمنتمين للمؤسسات القضائية والعسكرية، وبقايا رواسب خرافة «المستبد العادل»، التي سيطرت على أذهان الشرقيين طويلًا .

وهذا ما منع «ضمن أسباب أخرى، وإن كان الأهم» حدوث التوافق على أرضية مشتركة للعمل السياسي، وإعلان مبادئ، ينهي التاريخ الطويل من ضرب بعض المعارضين بعض، بيد السلطة، بالاتفاق على كلمة، سواء بحفظ الحقوق والحريات الأساسية، في إطار المواطنة، وإن اختلفت المواقف بعد ذلك؛ على حسب اختلاف الأيديولوجيات.

ومما لا ينكر: أن الاستبداد يطبع ـ حتى معارضيه ـ ببعض من طباعه، فكيف يمكن إقناع الذين شهدوا كل هذا العنف، وكل هذا التعسف بأن طريق الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة ممكن؟

لا يمكن إقناعهم، إلا من خلال قيادة راشدة يثقون بها، ومنهج واضح للعمل السياسي، يطرح رؤية عقلانية، وممكنة، للمستقبل القريب.

وتلك القيادة ـ إن وجدت ـ في المجالات الإعلامية و الثقافية من الشباب، ما يؤهلها لتصبح نخبة «نحن من نصنع نخبتنا، أعجبتنا أو لعناها، ليل نهار»، فإنها تكاد تختفي في المجالات النقابية، والاجتماعية، والمحلية، لإغلاق المجال العام من ناحية، وللخلل في النظرة إلى السلطة المؤدية لإغفال تكريس القوى المحلية، وبناء القواعد الشعبية الحقيقية القائمة على تجارب التعاون، والعمل المشترك لتحقيق مصالح وأهداف حقيقية، وتركها خاوية، على خطورتها، وأولويتها.

والأنظمة لا تسقط، وإنما تستبدل، والنظام ليس أشخاص الحكومة أو هويتها أو أسلوبها فحسب، بل التركيبة الاجتماعية والثقافية وراءها، والتي هي جزء منها، يعبر عن حقيقتها.

وشئنا أم أبينا، فالمعارضة ـ أيضًا ـ جزء من هذه التركيبة المختلة، التي لا يجب أبدًا أن ننسى إفرازها لجموع من المواطنين، يهللون لقتل واستباحة مواطنين آخرين، ويحرضون عليهم باسم الوطن تارة، والدين أخرى، والثورة ثالثة، وإلى أن يصبح هؤلاء فئة شاذة منبوذة، فالطريق طويل.

ولكن الطريق الطويل، كثيرًا ما يكون الطريق الصحيح.

فبينما الطريق الأقصر للتغير القائم على العنف والاستخدام المفرط للقوة بحشد عسكري أو جماهيري أكثر جاذبية، وأشفى للصدور، وأسرع في تحقيق النتائج، إلا إن تلك النتائج غالبًا ما تكون غير تلك المرجوة، ولا يتحقق التغيير الجذري العميق، إلا بعد حين قد يطول. وبقدر ما يعطي هذا الطريق القصير فرصة لتحقيق هذا التغيير الحقيقي، بقدر ما تكون المخاطرة بأن يصعب المهمة، ويزيد في صعوبتها بترسيخ الأوضاع والأفكار التي قام على مناهضتها أساسًا. فتنهي مواجهة الاستبداد باستبدال استبداد أشد به، بعدما أنفقت الطاقات، وأنهكت القوي بلا طائل.

ويبقى السؤال الأولي والبديهي عن طبيعة المجتمع، والدولة التي نريد.

فمن كانت غايته دولة استبداد، سواء كانت طائفية «وأن أسماها إسلامية» أو فاشية «وإن أسماها قومية»، فعليه الانضمام إلى صف المصفقين لهذا النظام؛ فمعارضته ـ بينما هو يمهد الأرض ـ لهم جحود للجميل.

أما هؤلاء الذين يطمحون لبناء دولة عادلة تكفل الحياة الكريمة لكافة مواطنيها، فيدركون أن العدالة لا تتجزأ، ولا سبيل لتحقيقها للبعض، إلا بكفالتها للكافة، خاصة هؤلاء الذين لا نحبهم، وعلى أساس العدالة تكفل المساواة، التي لا يتحقق العدل، إلا من خلال تطبيقها الحقيقي، وتكفل الحقوق والحريات الأساسية، كأساس لكيان الدولة، وشروط لبقائها، وليست محلًا للتفاوض والمساومات.

ويخوضون معركتهم في نشر هذه المبادئ وغرسها في العقول والصدور، وتكون أساس صراعهم مع السلطة قبل خيارتهم الأيديولوجية.

فهل تستطيع المعارضة المصرية أن تصنع المستقبل بالتوافق على المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، من ديمقراطية، ومساواة، وضمان للحقوق، والحريات للكافة، في إطار المواطنة، أم أننا في انتظار تفويض جديد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد