في خضم الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية خلال السنوات الماضية وما نتج عنها وما ينتظر المنطقة من أحداث بعد وصول الجمهوريين للحكم في أمريكا، لا بد لنا أن نستذكر التاريخ علنا نأخذ منه العبره. ولعل الثورة العربية في أوائل القرن العشرين وما واكبها من هجمات استعمارية على المنطقة هي خير مثال على ما ينتظر المنطقة العربية هذه الأيام. على مدى الأزمان، دائما ما كان تنافس القوى الاستعمارية الأوروبية وتحالف الممالك أو الولايات الإسلامية سببًا في دفع الغزوات الاستعمارية عن المنطقة. ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك التنافس البريطاني الفرنسي الذي كان من الأسباب الأساسية في فشل الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون. كما كان إرسال الجيش الكردي السني المذهب، بقيادة صلاح الدين الأيوبي، إلى مصر وحكامها شيعة فاطميون آنذاك أكبر دور في درء خطر الحملات الصليبية عن مصر، بل وعن المنطقة كلها فيما بعد. ودائما ما كان لاتفاق وتحالف القوى الاستعمارية وطئا ثقيلا على الدول الإسلامية. ولعل الحملات الصليبية و بعدها الهجمات الاستعمارية المنسقة على المنطقة في القرنين التاسع عشر والعشرين أكبر مثال على ذلك.

مع تراجع قوة الدولة العثمانية استطاعت القوى الاستعمارية الأوروبية احتلال الكثير من دول شمال إفريقيا في القرن التاسع عشر الميلادي. إلا أن سيطرة هذه القوى على الدول العربية الواقعة في الطرف الآسيوي لم تتم بهذه السرعة وكان الوجود العثماني أكبر عائق في طريقها. لم يكن من المصادفة حينئذ عقد اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية عام 1916 في نفس العام الذي انطلقت فيه الثورة العربية ضد الوجود العثماني في الجزيرة العربية وما جاورها حيث أدى إنهاء الوجود العثماني وإنهاكه في هذه البلاد إلى انكشافها أمام الهجمات الاستعمارية فسقطت واحدة تلو الأخرى تحت الاحتلال الفرنسي والبريطاني. ولم يكن الدور المخابراتي البريطاني في دعم هذه الثورة إلا أكبر دليل على رغبة بريطانيا في استغلال العرب لإضعاف العثمانيين ليس لمصلحتهم ولكن تمهيدا لاحتلال المنطقة العربية بعد إجلاء العثمانيين عنها. يأتي هذا بعد فشل البريطانيين في احتلال العراق وهزيمتهم في عده معارك بين عامي 1915 و 1916 بفضل التحالف بين القوات العثمانية والمجاهدين من قبائل العراق الذي هو مثال حي على ما كان يمكن أن يكون مصير المنطقة لو لم تقم هذه الثورة المشؤومة.

مهما كانت من مبررات لتزعم الأشراف للثورة العربية وتحالفهم مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية، مثل تحرر العرب من ظلم العثمانيين وغيره، فلم يكن هناك مبرر، إلا الانتهازية الرخيصة، لاتفاقية مثل اتفاقية فيصل-وايزمان التي عقدها فيصل الأول بن حسين بن على الهاشمي مع حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية في مؤتمر باريس للسلام عام 1919. تلك الاتفاقية التي وعد فيها بإعطاء تسهيلات لهجرة اليهود واستقرارهم في فلسطين تنفيذا لوعد بلفور الصادر عام 1917. ولم يجن الهاشميين من هذه الاتفاقيات المخزية شيئا إذ تحولت وعود البريطانيين للهاشميين بحكم الجزيرة العربية والعراق والشام إلى سراب. ولم يبق مع هذه الأسرة إلا حكم هذه الدولة الصغيرة، الأردن. ساهمت القوات البريطانية في إنهاء حكم الأشراف للحجاز عن طريق دعم الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في حروبه للسيطرة على الجزيرة العربية وإقامة مملكة بها، وتوقفت عن دعم الهاشميين مما مكن آل سعود من السيطرة على الحجاز كغيرها من أقاليم الجزيرة العربية. تستمر خسائر الهاشميين بهزيمة فيصل الأول وسقوط سوريا تحت الاحتلال الفرنسي. وبعد المذبحة التي تعرضت لها الأسرة الحاكمة الهاشمية على يد عبد الكريم قاسم ورفاقة في العراق، رفضت بريطانيا حتى إصدار تأشيرات لجوء لبريطانيا لمن نجى من الهاشميين من هذه المذبحة. كان الثمن الذي دفعه الهاشميون كبيرًا ولم يحصلوا في النهاية على شيء، إلا ما يرتبط باسمهم من عار لن يمحى.

نستذكر هذا التاريخ في ضوء ما تمر به منطقة الشرق الأوسط منذ عدة سنوات من أحداث جسام. ثورات شعبية لها ما يبررها من سوء إدارة أنظمة عتيقة لبلادها وقمع الحريات وغيبة الشفافية وسيادة القانون. إلا أن مسار هذه الثورات يبدو أنه انحرف لغير ما تريده شعوب المنطقة وساهم في إضعاف المنطقة وانكشافها. رغم نبل أهداف الجماهير التي خرجت للثورة تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية إلا أننا لا يجب أن ننسى دور شبكات التواصل الاجتماعي التي استخدمت بكل حرية لنشر الدعوات للثورات. تم السماح باستخدام هذه الشبكات بكل حرية لهذا الغرض رغم أنها كثيرا ما يمنع استعمالها لمهاجمة دولة مثل إسرائيل مثلا. ناهيك عن تدريب الكثير من الناشطين على أيدي منظمات دولية وما سبق الثورات من تفاهمات بين الإخوان المسلمين والإدارة الأمريكية كأوضح مثال على دعم الإدارة الأمريكية لمثل هذه الانشطة.

الآن وبعد هذه السنوات، لنأخذ الحالة السورية كمثال، إذ تم دعم الحركات المسلحة في سوريا بأسلحة تمكنها من تدمير قدرات الجيش السوري ولكنها لا تكفي لهزيمته ولا يمكن أن تجعل مثل هذه الحركات خطرا على إسرائيل. بل إن هذه الحركات حاكت تماما النموذج الأفغاني من حيث تعدد الجماعات المسلحة وولاءاتها بل إنها كثيرا ما كانت تتحارب فيما بينها، بينما لم يتم تحقيق أهداف هذه الحركات بالقضاء على النظام السوري بعد. وفي خضم كل هذه الدماء وهذا الدمار يتبين اهتمام القوى الغربية فقط بثلاثة ثوابت: أمن إسرائيل، وألا يصل للسلطة حركة إسلامية، وحقوق الأقليات. لم يتم الالتفات حتى للحركات التي دعمتها الدول الخليجية بموافقة أمريكية. بعد هذه السنوات من الحروب لم تتحقق أي نتائج إيجابية للشعب السوري وإنما أصبحت إسرائيل أكثر أمنا والمنطقة أكثر انكشافا.

ولعل أكثر ما ساهم في انكشاف المنطقة هو انحراف الثورة الثورية لتصبح حرب محاور وطوائف. فقد أصبحت حربًا شيعية سنية هي أخطر ما سبب انكشاف المنطقة. ولتفسير ذلك، لنعد بالذاكرة إلى الغزو الأمريكي للعراق حيث كان بوش الابن يرغي ويزبد ولم يخف أن الخطوة التالية له هي إيران وسوريا. في تلك الحقبة ساهمت التسهيلات الإيرانية والسورية للمتطوعين، الذين كانوا في معظمهم من السنة، لدخول العراق في إنهاك القوات الأمريكية واستنزافها حتى باتت عاجزة عن أي خطوات أخرى وخرجت في النهاية من العراق بعد خسائر فادحة. لم تستطع دخول إيران ولا سوريا وفشل ما سمي بالثورة الخضراء في إيران لاحقا عن تحقيق ما لم يتم تحقيقة بالغزو. أيضًا كان لتعاون حزب الله اللبناني مع حركات مسلحة سنية كحماس والجهاد الإسلامي أكبر الأثر في زيادة الضغط على إسرائيل وإضعاف وضعها الاستراتيجي في المنطقة. أما الآن فماذا حدث؟ تم استنزاف المتطوعين الشيعة والسنة على السواء في حرب تحولت إلى طائفية في سوريا.
لا أعتقد أن مجيئ ترامب إلى السلطة في أمريكا كان عفويا أو مصادفة. ولعل برنامجه المعلن في حملته الانتخابية للسيطرة على نفط العراق فيه ما يفصح عن خطواته المقبلة. حيث السيطرة على النفط العراقي لن تتحقق إلا بغزو عسكري.

ولحقيقة الهيمنة الإيرانية حاليا على العراق، فإن بداية عهده بزيادة التوتر مع إيران هو أكبر دليل على عزمه التحرك في اتجاه العراق. لو حدثت خطة كهذه فماذا تتوقع للمنطقة؟ هل تتوقع أن ينضوي المتطوعون السنة لقتال الغزاة الأمريكان للدفاع عن المنطقة؟ على العكس أصبحت المنطقة جاهزة لمثل هذه الخطوة وسيرحب بها الكثير من المقهورين والمنكوبين الذين تم إبعادهم عن ديارهم وخسروا أموالهم وكثيرًا من الأرواح بل وربما الأعراض على أيدي الجيش السوري وحلفائه من الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية والأفغانية والباكستانية والإيرانية والحرس الثوري الإيراني وغيرها.

لقد احسن ترامب اختيار العنوان لحملته القادمة: تحجيم الدور الإيراني. وسيأتي الغزو الأمريكي بدور المنقذ من وبالات المحور الشيعي وسيكون خلفه كثير من المؤيدين من سنة العراق وسوريا وأنظمة الخليج. سينسى السنة أن أمريكا لم تدعمهم بما يكفي لتحررهم وأنها لم يهمها إلا إسرائيل والأقليات، وسيرحبون بقتال أمريكا لإيران التي قتلتهم.
لن تجد إيران أو النظام السوري من السنة من تستخدمه كوقود للحرب (مع اتهامها لهم بالإرهاب في نفس الوقت) كما حدث في الغزو الأمريكي للعراق. بل إن مخزونها من المتطوعين الشيعة قد تم استنزافه في حرب لا طائل منها في سوريا تركت وراءها اقتصادا منهكا والكثير من الغضب الشعبي على ولاية الفقية في إيران. كثيرمن غضب الأقليات سنة كانوا أو شيعة من بلوشستان وزاهدان وسيستان إلى الأحواز وأذربيجان وكردستان. ولن تقف روسيا مع إيران حتى النهاية كعهدها. تماما كما فعلت مع ليبيا والعراق.

و لمن يفرح بمثل هذا السيناريو ممن أصابهم قصر النظر عليهم أن يتذكروا أنه من بداية التسعينات وحتى الآن تم تدمير اثنين من أكبر الجيوش في المنطقة وهما الجيش العراقي والسوري. لم يبق إلا الجيشان المصري والجزائري في المنطقة العربية. والإيراني والتركي في منطقة الشرق الأوسط غير العربية. لا يجب بأي حال أن نعول على الجيش التركي بسبب الطبيعة الاجتماعية والسياسية في تركيا. وتظل إيران هي أكبر حجر عثرة في المنطقة حتى الآن أمام الأطماع الغربية. لن يؤدي انكشافها إلا إلى زيادة انكشاف الآخرين. في ظل هذه الأخطار، يمكن أن نتخيل أي مستقبل ينتظر منطقة الشرق الأوسط. لن يكون للمنطقة أمل إلا نسيان الخلافات الطائفية والمذهبية والعمل على حل الخلافات وتقوية المصالح المشتركة. وإلا ففي التاريخ كثير من العبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد