سؤال المرحلة القادمة

انتهت عهدة الرئيس بوتفليقة التي دامت 20 سنة منذ 1999 إلى غاية ما بعد العهدة الخامسة 2019، وكانت هذه العهدة الأخيرة الأكثر دراماتيكية في تاريخ الجزائر، حيث خرج الشعب الجزائري، رافضًا العهدة الخامسة، التي كان يسَوّق لها النظام، والتي كانت بمثابة مهزلة حقيقية في حق الشعب، الذي لم ير رئيسه منذ آخر خطاب له سنة 2012.

قام الشعب بثورة بيضاء، سلمية لم يتأذ لا الصغير ولا الكبير، وأعطوا درسًا للعالم، ولكل الأنظمة في العالم والعالم العربي، بأنه ما زال هناك شعوب تعرف كيف تطالب بحقوقها، واسترداد كرامتها. شعب تراكمت عليه الويلات والمطبّات، منذ الاستقلال، إلى العشرية السوداء التي علّمت الشعب الجزائري الكثير، لم يغفل عن أخطاء سابقيه، ولا عن أخطائه، بل صمم وخرج بالملايين ينادي بأن «يكفي» حان الوقت للشعب بأن يقرر، لا أن يقرروا مكانه، وبعد سجال وجمعات متتالية استقال الرئيس طلبًا لرأي الشعب، وقدم استقالته في الثاني من مارس، في انتظار المجلس الدستوري الذي سيقوم بالإجراءات اللازمة.

فزنا في معركة لكن ما زالت الحرب أمامنا، الطريق نحو تحقيق العدالة والديمقراطية بدأ من اليوم، بناء الدولة والجمهورية الجديدة التي يتطلع لها الشعب الجزائري، وإرساء مبدأ أن لا صوت يعلو على صوت القانون، الذي يكفل بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتنظيم الدولة، القانون يجب أن يكون مثل الموت يَطَأُ الجميع.

ينتظرنا الكثير والكثير لأننا في بداية طريق لإعادة الهيئة والسيادة الوطنية، وحجز مكان ضمن مصاف الدول الكبرى، ليس ضربًا من المستحيل، لعدة أسباب جيوسياسية أو اقتصادية أو حتى ثقافية، فالجزائر قارة بحد ذاتها، فقط الإخلاص والتفاني في العمل. نعم العمل ثم العمل فالحضارات بُنيَت وفي عقلها المجتمعي فكرة العمل هو المخلّص، هو سُلّم النجاح، والعدالة الاجتماعية تولد من رحم القانون، الذي بدوره هو السيّد، يحمي فوق المواطن ويحدد واجبات كل واحد ضمن المجموعة الاجتماعية.

شعار المرحلة القادمة «اتركه يعمل، اتركه يمر» وهذا هو فصل النجاح، فتحفيز المجتمع نحو العمل يجب أن يكون عاملًا أساسًا، مع ضمان حقوق كل فرد حسب عمله.

وشيء مهم وجب البتّ فيه، هو أن تعطي لكل ذي حق حقه، ثم حاسب من تكاسل أو أفسد، لا تنتظر من الطبيب أن يَطبّ المرضى وحقه مهضوم، ولا الأستاذ مظلوم وتنتظر أن يعلم جيلًا من المتعلمين معنى الوفاء والإخلاص.

هذه فكرة بسيطة فقط حول سؤال ما بعد الحراك، وتنويه فقط بأننا دخلنا الى المعترك الحقيقي لبناء جمهورية ثانية ذات سيادة، وهذا يستدعي التفكير في بناء المنظومة التعليمية والتربوية بالأخص، وتنظيم المجتمع المدني وفق نهج جديد يزيح اللثام عن سنوات انهار فيها بسبب الظروف السياسية والاقتصادية معًا، وغياب العدالة لعب دورًا كبيرًا في تحطيم المجتمع وكسر هيبته. وإعادة بناء الفرد الجزائري لأن القادم أصعب ولا تحتمل الظروف السياسية تباطؤ وتضييع الوقت. والجانب المهم الآخر هو الجانب الاقتصادي والذي سيكون تحدي كبير للمنظومة السياسية التي سيقع على عاتقها مسؤولية بناء الاقتصاد الوطني والذي يعتمد فقط على المحروقات الغاز والبترول فقط بنسب فاقت التسعين في المئة (90%) وجب البحث عن مصادر أخرى أهمها الزراعة التي تعتبر سلاحًا أخضر ولما لا وضع بداية ثورة زراعية جديدة وبآليات عصرية لأنه الظروف المناخية وتوفر الأرض الصالحة للزراعة يعتبر مؤشر أكثر من إيجابي مناسب الرهان على الزراعة التي تعتبر بحق سلاحًا أخضر وقد استعملته وتستعمله إلى الآن سلاحًا اقتصاديًّا ناجع للضغط حتى على الدول كسلاح سياسي وورقة ضغط.

الكلام كثير في كيفية إعادة ترميم الاقتصاد والصحة والتعليم، السكن وضمان استقلالية القضاء، ووجب التنويه فقط بأننا في مفترق الطرق الحقيقي لبناء المواطن الجزائري، نفكر بأن بني الإنسان أولًا باعتباره ركيزة أساسية في البناء الحضاري، وسلاح كل هذا هو الصبر لا شيء يأتي بين ليلة وضحاها، وجب الصبر والعمل، وامتلاك حلول فعالة في وقتنا الحاضر لا يتأتى إلاّ بالعلم، ظاهرة القرن العشرين، هو سبب صعود حضارات ومجتمعات وزوال أخرى، هو القوة الحقيقية التي جعلت الغرب متفوقًا وامتلاكه للعلم والمعرفة جعله يبني حضارة يُقَوِّمُهَا العدل والقانون.

انتصار الشعب الجزائري كان انتصارًا على ذاته أولًا، قبل أن يكون انتصارًا سياسيًا، فالتفكير في الخطوة القادمة هو المشروع الحقيقي لبناء مستقبل كان الكل ينتظره، كان فردوسًا مفقودًا، واليوم أضحى واقعًا ملموسًا، والمسؤولية كبرت مع كبر الأحلام لكل جزائري يريد عدالة ويريد نورًا جديدًا لجمهورية جديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد