لقد علَّمت الأساطير اليونانية القديمة الأجيال المتعاقبة كيف يرتقي الإنسان إلى مراتب الآلهة، وكيف تزل الآلهة بدورها إلى دركَات الإنسان، وهي الوحيدة في اعتقادي التي عبَّرت عن هذه العلاقات الارتقائية والانشطارية بين الحين والحين، عبر تعابير دقيقة للغاية، حتى إنَّ المتأمِّل في الكلمات وكيفية نسجها عند قراءة أحد جوانب هذه الأساطير، سيكتشف مدى حضور النسق والترابط بين الأحداث، وما يلازم شخصياتها على اختلاف أدوارها من صفات.

تبدأ الحكايات من الشغف بما هو حاصل بين سراديب الروح، تعيد تلطيخ ما يمكن الوصول إليه، تتحفَّز باقي أطراف الأجساد مدنِّسة ما بقي من الطهارة، ثم تستعصي المصيبة عن المشاهدة في العَلَن فيمتنع البعض عن ذلك، بعدها تأتي المناجاة، فتستجيب الرحمة القابعة خلف مظهر القسوة، لتلين الأرواح، ويحلَّ الصفْح، ثم يتم النفي والعقاب، بعدها يتم الاستسلام للتوبة بعد الاعتراف بالخطأ بكافة تفاصيله، والإقرار بالأدلَّة، وينتهي المشهد بالقبول لدى الجميع، مع تأكيد تقديم القربان، لتغسل الخطايا، وتعود المياه إلى مجاريها: وكأنَّ شيئًا لم يكن!

ما أشبه الحواصل في الأساطير الإغريقية القديمة، بما وقع ويقع كل يوم على أرض الجزائر، ترتيب رهيب للأحداث منذ أمد بعيد وِفق دورة حلزونية للتواريخ والنتائج، لكن الثوابت في كل هذه السلاسل العاطفية والمصيرية تبقى وحيدة التوجُّه، وواحدة المنحى، معطية صورًا كاريكاتورية غير مفهومَة لدى الفئات الغالبة من الجماهير، ومعروفة لدى سكان مجالس الفلسفات- العلوم المضطهدين على هذه الأرض.

وكأنَّ المجتمع الجزائري ما يزال سجين سلاسل هيفايستوس داخل سندانه العظيم، نعم! هو سجين تلك السلاسل التي تطْبق على حرياته بشكل غريب، إذ إنَّ الجزائريَّ ما يزال يراوح مكانه مسجونًا باعتقادات، لم يكن له يومًا الحق في مناقشتها أو حتى إبداء رأيه فيها، فما عليه سوى الامتثال، أو ستكون عاقبته تجمُّع بوسيدون وهرميس وأبللون عند باب فضائحه المشروعة، بعدها يحكمون على هذا المذنب الحر بالنفي إلى بافوس طواعية مع سابق الإصرار والترصُّد.

وكما السجين توَّاق إلى الحرية بالضرورة، فالجزائريُّ توَّاقٌ إلى النور بالضرورة كذلك، وهو مؤمن بأنَّ تلك الغشاوةَ المطبوعةَ على قلبه منذ صغره زائلة لا محالة، لهذا سيشهد حوض المتوسِّط الكثير من ثورات الجزائريين، يقوم بها الجزائريون فرادى وجماعات، من أجل التحرر والتنعُّم بالحرية على أرض تحاربها بكافة الوسائل والرسائل.

منذ البدء ومَارِس الذي يسكن كل جزائري «argelino» حبيس سندان هيفايستوس رغمًا عنه، وبالرغم من المحاولات الكثيرة التي لا يمل من تكرارها بعض شرفاء الجزائر من أجل التخلُّص من تلك السلاسل الثقافية- الاجتماعية الثقيلة، فإنَّها ما تزال تحول دون كل شريف جزائري والحرية، ساحبة البؤس إلى الأنفس الجزائرية بشكل لا مفرَّ منه.

فرَّ وسيفرُّ الشرفاء من أبناء الجزائر المخلصين نحو بافوساتهم المتنوعة بتنوع تيارات وعيهم، فكما ردَّد نيتشه العرب: الطيور لا تبني أعشاشها في الأقفاص، حتى لا تورِّثَ أبناءها العبودية.

فعلًا! الشرفاء من أبناء الجزائر المخلصين، لا يبنون عائلات في سندان هيفايستوس المرادية، حتى لا يورِّثوا أجيالهم من أصلابهم العبودية.

العيش ليوم واحد حرًّا خير بآلاف المرات من الخلود في العبودية، العيش مرتديًا ثوب مارس ليوم واحد خير بآلاف المرات من البقاء في ذاك السندان الذهبي للأبد، ومن هنا أحبَّ الرومان آريس، سمَّوه بمارس، وأقاموا له الموائد والقرابين، فهو ملهمهم وحامي طموحاتهم، وغذاء أفكارهم وشموخهم، تلك التي جعلتهم أسياد العالَم بإمبراطورية سادت الحوض المتوسِّط بأكمله، وجعلت روما اسمًا مرتبطًا بالقوَّة حتى عصرنا هذا؛ لقد كُتب في الأزل بأنَّ الجبناء يموتون بلا شرف مدثَّرين بالفاخر من الثياب، بينما الرجال يموتون في ساحات الوغى وبأيديهم أسلحتهم، فيذكر تاريخ القصور الملوك والأمراء، ويذكر تاريخ الشعوب المقاتلين والنبلاء؛ وهنا يكمن الفرق بين بياض السكَّر وبياض الأملاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد