أعتقد جازمًا أنّه ما من عربي مسلم إلا وسمع بحديث «أطع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» خاصة في عصرنا الحالي الذي يشهد انتشارًا واسعًا للتكنولوجيا ولمشايخ السلطان، فيكفي أن تمتلك الأول ليظهر عليه الثاني ويصبّ أحاديث الطاعة في رأسك صبًّا، خاصة هذا الحديث الذي يردّدونه حال قيامهم وحال قعودهم، ويستدلّون به فرّا وكرّا، وكلما دخلوا حوارًا استلّوا هذا الحديث كسيف قاطع للنقاش وكثيرًا ما جعلوه حجابًا يستترون وراءه كي لا يظهر قبيح صنيعهم من التصاقهم بأبواب الملوك المستبدّين وجلوسهم على موائد الحكام الظلمة وإقرارهم ظلم الرعيّة، حتى أنهم ليكادون يجعلون من هذا الحديث نصف الإسلام إن لم نقل كله فظنّ الظان من مريديهم أنّ طاعة الحاكم هي المقصد من وراء نزول الوحي والغاية وأنّ طاعة الله في رضى الحكّام الظلمة، فهل يمكن أن يكون هذا الحديث خرج من فيّ نبينا الأكرم الذي كسر الله به راية الظلم ونصب به ميزان العدل وأعاد به العزّة للإنسان؟ وإذا كان قد قاله حقًّا فهل يعقل أن يُفسّر على أن الإسلام يحابي الظالم في ظلمه؟ وقبل ذلك هل تصحّ هذه الرواية من الأساس؟

أولا: هذه الزيادة وردت في حديث رواه مسلم في صحيحه متابعة من حديث أبي سلام عن أبي حذيفة مرسلا فأبو سلاَّم الأسود – واسمه: ممطور الحبشي – لم يسمع من حذيفة.

وقد قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني منكرًا هذا الحديث: «هذا الحديث عندي مرسل، أبو سلام لم يسمع من حذيفة ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق؛ لأن حذيفة توفي بعد قتل عثمان رضي الله عنه بليال، وقد قال فيه: «قال: قال حذيفة» فهذا يدل على إرساله».

وقد ضعّف هذا الحديث غير واحد من أئمة الحديث المتقدمين والمتأخرين فالإمام مسلم لم يذكر الحديث من أجل اعتماده ولا تصحيحه وإنما لبيان الاختلاف فيه كما هو منهجه في صحيحه مع الأصول والمتابعات، إذ كان يذكر الأحاديث الصحيحة في أول الباب ثم يذكر المعلّة في آخره – لم يفعل ذلك في كل الكتاب بل في مواضع معدودة – وقد صرّح بمنهجه هذا في مقدمة صحيحه فقال : «فأما القسم الأول فإنا نتوخّى أن نقدّم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها … فإذا نحن تقصّينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدّم قبلهم … وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعلّلة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى».

وقد صرّح القاضي عياض والإمام النووي أن مسلمًا قد التزم هذا الشرط في صحيحه وهو شرح العلل وبيانها وإيضاحها عكس من قال أن المنيّة اخترمته قبل تمام مقصده من الكتاب،كما بيّن الإمام النووي ذلك في شرحه لصحيح مسلم في باب مواقيت الحج، وقد قال المعلمي في «الأنوار الكاشفة ص230» : «من عادة مسلم في صحيحه أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة يقدّم الأصح فالأصح، فقد يقع في الرواية المؤخرة إجمالا أو خطأ فتبيّنه الرواية المقدمة».
ومن أراد الاستزادة في فهم منهج الإمام مسلم في صحيحه خاصة في فهم هذه النقطة بالذات فعليه بالحوار العلمي حول منهج المحدثين القدامى في نقد الأحاديث للدكتور حمزة المليباري وهو منشور تحت عنوان «ما هكذا تورد يا سعد الإبل».
إذن الإمام مسلم أورد هذا الحديث الذي فيه هذه الزيادة لبيان نكارتها وشذوذها لا لتصحيحها، خاصة أنه جاء من طريق مرسل منقطع، وللحديث طرق أخرى رواها أصحاب السنن والمسانيد بطرق كلها واهية وشديدة الضعف إذ لا يشدّ بعضها بعضًا، وقد بيّن عوارها الدكتور خالد الحايك في بحث له منشور على الشبكة بعنوان «القطع بنكارة زيادة وَإِنْ ضرِبَ ظَهْركَ وَأخذَ مَالكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».

ثانيًا: وعلى فرض أن هذا الحديث صحيح – مع أنه ليس كذلك – فقد فسّره بعضهم على أنه صبر الفرد على الظلم الذي حيق به لا صبر الأمة، كما فسّره بعضهم أنه إن ضرب ظهرك حدًّا وأخذ مالك حقًّا، لأنه لا يعقل أن يأتي نص شرعي يحابي الظالمين في ظلمهم ويزيد في عتوّهم وبالمقابل يأمر الضحية بالاستكانة والصبر ولأن الرعيل الأول فهموا الدين على حقيقته وقف سلمان الفارسي في وجه عمر بن الخطاب مُسائلا إياه في ثوب من قماش من أين لك هذا وإلا لا سمع لك ولا طاعة، ووقف أبو ذر في وجه عثمان أكثر من مرّة وجمع عبد الله بن عمرو رجالا وسلاحًا لمّا بلغه أن معاوية أراد أن يحفر في أرضه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وقد رأيت من أحد هؤلاء شرحًا للقصة بما يتفق وظلم الحكام وجورهم فخطّأ عبد الله بن عمرو وقال: هو صحابي أخطأ ولا يتابع المخطئ في ما أخطأ فيه، ولم أدر أأعجب من تخطئته لمن دافع عن أرضه ولم يتنازل عن حقّه أم أعجب لتغاضيه عن تخطئة الحاكم وهو يحاول غمط أرض ليس له فيها حق وتغاضيه عن ظلمه تصريحًا وتلميحًا.

 فكأن الظلم مقدّر على المسلمين في كل عصر، وكأن للحاكم الحق في ظلم الناس وكأن الإسلام ما جاء إلا خدمة لمصالح الحكام ومدًّا في غيّهم وإطالة لبغيهم، وكأن على كل من كان تحت إمرة حاكم في بلد مسلم أن يرضى بالذلّ والهوان، فمتى يفهم هؤلاء الدين كما فهمه عمر حين رأى رجلًا يمشي محني الظهر مطأطئ الرأس فقال له مُعاتبًا «أمتَّ علينا ديننا أماتك الله، اعتدل في مشيتك و أظهر عزة الإسلام»، لم يرض برؤية مسلم واحد ذليلًا فكيف بالأمة المهانة من أقصى الأرض إلى أقصاها، وكيف يرضى وهو الذي حمد الله يوم قال له أصحابه حين تولّيه الخلافة «والله لو رأينا منك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا»، حمد الله حين لم يداهنه أحد ويقول نسمع لك ونطيع وإن دُست على رؤوسنا برجلك وضربت على قفانا بعصاك وحاشاه أن يفعل وهو الفارق بين الحق والباطل.

خلاصة الكلام حديث «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» منكر سندًا ومتنًا استخدمه مشايخ السلطان خدمة للحاكم وتثبيتًا لكرسيه وإطالة في عمره وتنويمًا لرعيته للقعود دون النهوض بالأمة أو التفكير بتغيير واقع الحال، ولو على حساب ليّ أعناق النصوص الأخرى الصحيحة الصريحة، التي ما جاءت إلا إكرامًا للإنسان وتحسينًا لعلاقته بأخيه الإنسان سواء أكان حاكمًا أم محكومًا ولله الأمر من قبل ومن بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك