بين الحين والآخر يطل علينا أحد المسؤولين بطلعته البهية ليعلن بحزم وعلامات الصرامة ترسم على وجهه أمارات الصرامة واليقين – يعلن أننا قضينا على الإرهاب بشكل شبه كامل (تختلف النسبة حسب المسؤول ولكنها عادة ما تتراوح بين 96% و99%) وعقب كل تصريح شامخ أو إجراء أمني غير مبرر نجد الرد مفزعًا على هيئة عملية إرهابية تسقط مجموعة جديدة من أبنائنا البواسل، كانت آخر تلك العمليات مذبحة الواحات التي راح ضحيتها أكثر من 55 ضابطًا وجنديًا من خيرة الشباب، وهنا لابد من طرح ذلك التساؤل؛ هل الإرهاب بسبع أرواح؟

ألم يصدعنا المسؤولون والإعلاميون كثيرًا بأسطورة الإرهاب الذي يحتضر؟! ألم تقر الحكومة حالة الطوارئ منذ أيام قلائل؟ ألم تمتلئ السجون بالمعتقلين؟ ألم يطالبنا الإعلاميون أصحاب الجيوب الممتلئة – ليل نهار – بتحمل شظف العيش حفظًا على أمن مصر وردعًا للإرهاب «الذي يحتضر بزعمهم»؟ ألم يدع المسؤولون أنه قد تم تطهير أرض الفيروز من الإرهاب؟ إذًا كيف تطول يد الإرهاب أبناءنا وإخواننا في الصعيد والواحات والدلتا والإسكندرية؟ هل بعث الإرهاب الذي تم القضاء عليه ودبت فيه الحياة من جديد؟

حصيلة الإرهاب في مصر تتضاعف باستمرار، والإرهاب الذي كان محتملًا بات الآن مؤكدًا فأصبح المعتاد كل يوم أن نطالع خبر استهداف أحد الأكمنة ومقتل بعض الضباط والجنود. ثم ماذا؟ لا شيء. يفر القتلة كالعادة لينفذوا عمليات أخرى في أماكن أخرى. إنهم يغتالون خير رجالنا، عندما شاهدت صورة المقدم أحمد جاد الذي قتل غدرًا في مذبحة الواحات الأخيرة وعرفت أنه أسس مسجدًا في مطروح ابتغاء وجه الله تذكرت العميد أحمد محمد سيد رحمه الله الذي اغتالته يد الإرهاب في العريش ذلك الرجل الذي شهد له الكثيرون بدماثة الخلق والتدين والإخلاص في العمل، لم يشفع له كل ذلك عند هؤلاء القتلة فاغتالوه بعبوة ناسفة وبدم بارد كما اغتالوا أبطالنا البواسل في الواحات، وللأسف سيكون رد فعل الحكومة ثابتًا كالعادة ويتلخص في النقاط التالية:

1- معلومات متأخرة ومنقوصة عن ملابسات العملية الإرهابية وعدد الضحايا وسيبدأ الإعلان عن عدد قليل ثم يزداد تدريجيًا مع فداحة الخسائر البشرية ومع قليل من التركيز في ملابسات الحادث تكتشف ثمة اختراق أمني أو تقصير شديد في جمع المعلومات وتحركات عشوائية عجيبة أدت إلى ذلك الحادث الأليم (لكن لا أحد من الإعلاميين أو المسؤولين سيذكر ذلك).

2- مسؤولون حكوميون وإعلاميون يصرخون في وجوهنا – على شاشات قنوات رجال أعمال متهمين بالفساد – بأن الإرهاب البائس يلفظ أنفاسه وأن تلك العملية ما هي إلا انتقام لمقتل «أبو بطيخة الجهادي» أو «أبو شومة الشيشاني» أو أي اسم عجيب آخر في إحدى العمليات الأمنية الناجحة – ربما تكتشف فيما بعد أن ذلك الإرهابي إما حر طليق وسينفذ عملية أخرى أو أنه قد أعلن مقتله في عملية سابقة أو أنه لا وجود له أساسًا – وأن جسامة خسائر الإرهاببين دفعتهم إلى تلك الخطوة الانتحارية البائسة وأنه تم القضاء على 99% من الإرهاب في سيناء.

3- توسيع قاعدة الاشتباه وتمديد حالة الطوارئ وإلقاء القبض على أبرياء على طريقة «إحنا بتوع الأتوبيس» لتتعامل معاهم الأجهزة الأمنية بطريقة غير آدمية ثم يخرج أغلب أولئك الأبرياء من السجون بعد أن يتيقن الأمن من براءتهم وأنهم لا يعلمون شيئًا ولكنهم يخرجون من السجون مكسورين محطمين نفسيًا بعائلات مشردة وذكريات أليمة خلف القضبان فتتلقفهم أيادي الجماعات الإرهابية ليصبحوا وقودًا لعملية أخرى في سيناء أو الواحات أو الصعيد… إلخ ليتم اعتقال آخرين وهكذا، ومن المفارقات الكوميدية أن البرلمان حاول وضع حل لتلك الإشكالية، فماذا اقترح؟ خرجت لنا لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان على لسان رئيسها علاء عابد – المتهم بجرائم تعذيب السجناء – باقتراح إنشاء سجن لكل شارع لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الإرهابيين. لا تعليق يليق!

4- التضييق على الإسلاميين – خاصة السلفيين – أصحاب المناهج المعتدلة واستبدال بعض خطباء الأوقاف بهم الذين التحق كثير منهم بكليات الشريعة والأصول والدعوة بعدما فشلوا في تحصيل مجموع عال يؤهلهم لكليات الطب والأسنان والصيدلة لتصبح الخطابة والدعوة إلى الله عند بعضهم مجرد مهنة ينفذ فيها تعليمات مديره لا أكثر من ذلك، وعندما يطرد العلماء الربانيون من المساجد ويستبدل بهم آخرون غير ذوي كفاءة فلابد أن ينصرف الشباب عنهم ويتوجهوا إلى اتجاهات أخرى قد يكون بعضها متشددًا أو تكفيريًا أو حتى إلحاديًا.

5- مزيد من التضييق على الأحزاب السياسية، فنحن في حالة حرب ولا مجال لترف «الديمقراطية» ولا مجال لحرية التعبير المنضبطة، وتصبح المعارضة – التي هي من المفترض إحدى الضمانات الشعبية لاستقامة طريقة الحكم وتحقيق العدالة وتقويم الأخطاء – تصبح خيانة للوطن فينصرف مزيد من الشباب عن العمل السياسي الذي يعد إحدى قنوات التغيير السلمي إلى قناة أخرى غير سلمية يعتقدون أنها طريق اضطراري لتغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة، إلى قناة الإرهاب البغيض، فالفساد وقمع الحريات السياسية سيؤديان إلى الإحباط وضعف الانتماء وهما بدورهما سيدفعان مزيدًا من الشباب إلى أحضان الجماعات الإرهابية.

– الخطوات الثالثة والرابعة والخامسة ستؤدي تدريجيًا لزيادة الحاضنة الشعبية للإرهابيين فيتمدد الإرهاب ليطول أماكن جديدة معلنًا عن ضحايا جدد يضافون مجرد رقم في سجل طويل لا يعلم أحد متى يوضع به سطر الختام.

وتكرر الخطوات من جديد مع كل عمل إرهابي وتظل الدماء تراق بلا حساب ويظل الإعلام الأمني مصممًا على أن الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة وتكرر المأساة من جديد دون اتخاذ خطوات فعلية صحيحة لإنقاذ وطننا الحبيب من أتون الإرهاب وإلى الله المشتكى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الواحات
عرض التعليقات