في مارس الماضي من العام الجاري دفعت عملاق الترفيه ديزني 900 مليون دولار لمجموعة من الشباب؛ لشراء حسابهم على اليوتيوب. ميكر ستوديو هو الاسم الذي أطلقه الشباب على مجموعتهم الصغيرة، والتي كان أحد مؤسسيها شاب أردني. كان الهدف من المجموعة في البداية إنتاج عدد من الفيديوهات لجمهور اليوتيوب، ريثما تحولت مع الوقت لشبكة ترفيهية يتابعها الملايين حول العالم حتى قررت ديزني أن تستثمر هذا المبلغ الضخم في هذه التجربه الشابة!!

 

التجارب الشبيهة في الغرب كثيرة خاصة في الخمس سنوات الأخيرة التي تحول فيها الإنترنت لمنصة يمكن من خلالها الوصول لكل شرائح المجتمع، وصناعة رأي عام بأقل تكاليف ممكنة، المدونات وبرامج اليوتيوب تحولت من مساحة الهامش إلى مساحة العمق، وأصبحت تشكل في بعض الأحيان التيار الرئيس الذي يعتمد عليه الإعلام التقليدي في نقل الخبر وصناعة المحتوى.

 

العالم العربي لم يكن بعيدًا عن تلك الحركة، وتنفس الصعداء الذي رافق الربيع العربي كان إيذانًا باكتشاف أن الإنترنت وخاصة منصات التواصل الاجتماعي تمثل فرصًا ذهبية لإيصال الأفكار، وصناعة النجومية الشخصية، وحتى الربح المادي.

المحاولات كانت فردية في البداية، ثم انتقلت من عصر المنتديات إلى المدونات الشخصية، وصولاً إلى حسابات مشاهير الشباب على الفيس بوك وتويتر مع الآلاف من المتابعين والمعلقين، وانتهاءً بالظهور أمام الكاميرا ومحاولة إنتاج ما يشبه البرامج التلفزيونية بتكلفة بسيطة، برامج أصبح عدد مشاهدات بعضها يفوق مشاهدات قنوات كاملة على التلفاز.

العام الماضي شهد ولادة تجربة جديدة من الإعلام الحر، تجربة بدأت تتجاوز المدونات ونجوم الفيس بوك وتيوتر وحتى فردية مشاهير اليوتيوب.

 

“الشبكة” هكذا أحب أن أسميها، شبكة تجمع مجموعة من الهواة في غالب الأحيان لبناء منصات شبه مؤسسية لها طابع خاص، مؤسسات تتمثل في صفحة على الفيس بوك، أو موقع إلكتروني، أو قناة على اليوتيوب، مؤسسات لها فريق عمل منظم يعمل في معظم الأحيان برواتب قليلة جدًّا لكنها تتجاوز المألوف في صناعة محتوى ممتع غير ممل، لا يعرف خطوط حمراء، ولا يعترف بسلطة رجل أعمال أو رئيس مجلس إدارة أو حتى مدير تحرير.

في بداية ظهور بعض الإعلاميين الشباب على اليوتيوب كان للإعلام الرسمي وإعلام رجال الأعمال سلطة الهيمنة على هذه التجارب، ومع الوقت انخرط عدد كبير منهم في مؤسسات إعلامية تقليدية بدافع كسب مساحة أكبر من الشهرة والمال.

الأن تغير الوضع تمامًا، المنافسة أصبحت على صعيد واحد، مؤسسات تنافس مؤسسات، مجموعات عمل تنافس مجموعات عمل، أدوات الحشد والوعي والتعبئة تتسرب لصالح الشبكات الصغيرة الناشئة، المركزية في التمثيل الإعلامي وسلطة صاحب المال لم يعد لها نفس التأثير الآن، حتى وصل الأمر إلى أن بعض التجارب التي أعرفها بشكل شخصي عرض عليها مبالغ ضخمة من مؤسسات إعلامية كبيرة ورفضت إلا أن تستمر في فضاء الإنترنت، وتمتلك حرية صناعة المحتوى وإتخاذ القرار.

 

أصبح لدينا تجارب إعلامية سياسية وتقنية وترفيهية، تجارب مثل: يوتيرن في السعودية، وخرابيش في الأردن، ورصد في مصر، وحتى تجارب عربية تجاوزت الحدود الإقليمية مثل: نون بوست، وأراجيك، وساسة بوست الذي قد تكون شهادتي له مجروحة لأنني أدير فريق تحريره.

 

صاحبت شخصيًّا تلك الرحلة منذ نشأتها في عالم المنتديات وشاركت في عدد من المبادرات الإعلامية على مدار الخمس سنوات الأخيرة، ويمكنني أن أقول بعد هذه الرحلة القصيرة أن أكثر المحطات إثارة وتأثيرًا هي المحطة الحالية والمحطات القادمة؛ حيث بدأت تلك الخبرة المتراكمة والتجارب الصغيرة تتجمع لتكون شبكة لا تعرف هيمنة المصالح، ولا تدين سوى للكلمة الحرة وطبقة المجانين التي تنتمي إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد