قبل البداية

الأمر ليس موجهًا لمن لم يكتب لهم الله الزواج، فالزواج في النهاية رزق لا حيلة لأي إنسان فيه، والرضا جزء من الإيمان، وليسوا معنيين بأي هجوم أو تقليب مواجع أو أي شيء. الأمر مجرد استعراض للفكرة دون التطرق للأشخاص بعينهم وخياراتهم لأني أحترم خيارات الناس فعلًا وبصدق، ولكن تلك الفكرة أصبحت تطل برأسها هنا وهناك كل فترة ولكنها لم تصل لحد الانتشار ولكني لا أستبعد لها ذلك في ظل الإحباط العام الذي نعيشه، وسبيل مواجهة الأفكار في رأيي هي الأفكار فقط ولا شيء آخر.

قرأت مؤخرًا مقالًا لفت انتباهي حقًا، وهو ترويج لفكرة أن يتزوج الناس ولكن لا ينجبون بتاتًا! وبالطبع هؤلاء – للأسف – يدخلون في «كليشيه» أنهم متميزون ولا يجب أن ينظر إليهم الآخرون نظرة دونية (واتخاذ دور المتصادم مع المجتمع الجاهل والبطل من أجل قضية شخصية للغاية وستجد في الحقيقة أن لا أحد يكترث لهم من أساسه، ولكنه دور البطولة المتوهم الذي يحب البعض العيش فيه – من كان يؤمن برأيه فعلًا فليثبت عليه وليدافع عنه وليتوقع ذلك دون ضيق أو ضجر أو ادعاء بطولة).

ذكرني هذا الأمر بصديقة تقدم لها فتى قال لها نصًا: لا أريد إن تزوجنا أن ننجب، هذا شرطي .. إما تقبلي أو ترفضي. وأعرف بشكل شخصي فتاة متزوجة ترفع شعار لا للإنجاب نهائيًا – القصد أن الأمر ليس حكرًا على الرجال ولكنه مشترك.

لن أتطرق للكلام التقليدي أو الحث الديني على الإنجاب وضرورته في حفظ المجتمعات… إلخ، ردي سيخاطب الذاتية التي أصبحت تلاقي قبولًا أكثر من الجماعية والأحلام الجماهيرية، هذا شئنا أم أبينا سمت عصرنا الحالي… فالحقيقة أن مجتمعاتنا يستحسن «نظريًا» أن تباد لأنها عار حقيقي على البشرية، وأظن أننا وصلنا حقًا لنقطة اللا عودة في الإصلاح، خصوصًا أن غالبية من ينجبون هم الضعفاء الفقراء الذين لا فرصة لديهم «نظريًا» للترقي في السلم الاجتماعي ولا المادي، وهم يمثلون وقودًا للطغاة يستعملونهم كيفما شاؤوا دون إرادة منهم، وقد ظللت فترة غير مستوعبة كيف لمجتمع العبيد في أمريكا أن يتكاثر ويقبل على الزواج مع معرفته السابقة أن ابنه هو مجرد ثروة ويد تضاف لثروة السيد. ولم أجد تفسيرًا إلا قريبًا جدًا. 

 سأفند اولًا ادعاءات المقال ثم أنتقل لنقاط التثبيت لتأكيد فكرة الإنجاب وليس رفضها.

يقول المقال أن العالم لم يعد يحتمل مواليد جديدة لتراجع مصادره. حسنًا، دولة مثل اليابان هي بلا موارد طبيعية تقريبًا، هل كان هذا عائقًا لها لإحراز التقدم والرفاهية؟ كان الإنسان دائمًا يتغلب على هذا الأمر بالذكاء والتكنولوجيا. الأمر في الحقيقة لا علاقة له بالموارد ولكن له علاقة بظلم الإنسان لأخيه الإنسان. نسبة بسيطة من العالم تحتكر غالبية الموارد وتترك الباقين يرتعون في غيابات الفقر.

يقول المقال إن المرأة الذكية لا تنجب أو تتأخر كثيرًا في الإنجاب لأن لديها ما يشغلها في حياتها العملية. نعم قد يكون هذا صحيحًا إلى حد ما، ولكن الإنسان مكون من عدة جوانب ومحاور، وكما ننصح الفتاة ألا تقتصر على الخطيب/الزوج في الحب وأن تتعدد مصادر إشباعها، فلا يجب أن يتحول العمل لمصدرها الأوحد لتلقي التقدير الذاتي! هي لن تظل في شبابها للأبد ولن تكون في قمة لياقتها البدنية دائمًا كي تعمل لما لا نهاية. سيتوقف العمل يومًا ما وسيتوقف معه التقدير الذاتي الذي كانت تأخذه منه.
كثيرات ممن كنت أحدثهن في بداية حياتي المهنية عن شعورهن قبل حفلة المعاش، كن يقلن إنهن لا يفهمن كيف مر كل هذا الوقت في العمل؟ كأن العمل سرق شبابهن! إن كانت هناك فرصة فلا يجب أن ينظر المرء لما تحت قدميه في هذا الأمر، فالاستثمار في الشباب لا يكون بالادخار المادي فقط. ولكن الإنجاب هو أحد أسباب الاستثمار المستقبلي أيضًا! ولكن، هل هناك ضامن لأن يكون الطفل/ة هو استثمار مستقبلي حقيقي؟
الحقيقة أنه لا يوجد ضامن لأي شيء مستقبلي في الحياة، العملة قد تنهار ويضيع كل ما ادخرت. العمل قد يستغني عنك والزوج قد يموت. نحن فقط نحاول أن نأخذ بأسباب الحياة ونتوكل على الله ولا نُحَمِّل أنفسنا أشياء خارج قدرات البشر في التحكم. الله عند حسن ظن العبد به في النهاية.

يقول المقال إن كثيرًا من الفلاسفة نظروا لتلك الفكرة ليضيف لها وجاهة ما. لنقف مع أنفسنا قليًلا، هل كان هؤلاء الفلاسفة يعيشون بسعادة حقيقية وحياتهم سوية حقًا حتى تكون خيارتهم هي الخيارات المثلى؟ لقد كان شوبانهور بذكر المقال نفسه إنسانًا تعيسًا للغاية وهكذا بقية المفكرين المذكورين. هل يجب أن تُصَدَّر تجربة التعاسة للجميع إذن؟ لا أفهم هذا المنطق صراحة. نعم الحياة بها قدر من التعاسة، ولكن هل يعقل أن يمشي المرء متوقعًا الأسوأ دائمًا؟ أظن أن تلك الآراء هي مجرد آراء شخصية بحتة مبنية على تجارب شخصية أيضًا، وتلك الظروف السوداء ليست عامة على الجميع.

ما أثبت به الفكرة

هناك نظرة أرفضها تمامًا، وهي تسفيه الآخر وخياراته، يمكنك أن تتناقش معهم ولكن النظر الفوقي الدائم للآخر وخياراته حتى لو كانت تتعارض مع معتقدك، سيجعلك تنحدر لنفس السلوك الذي تعيب عليه المجتمع وهو نقدك! عبارات استعلائية أن الناس تنجب كي يتخذون أطفالهم مجرد دمى، أو لأن الجميع ينجب أو لأي سبب يسوق على أنه سبب تقليدي… لا أتوقع – ومن غير السوي أصلا – أن يمتلك الجميع فكرًا متعقرًا يحسبون به كل خطوة يفعلونها، هذا غير واقعي، وهذا ليس شيئا يدعوا لازدراء الآخرين لأن هناك تفاوت طبيعي معروف في عقول البشر وقدراتهم، هم لديهم فلسفتهم وإن تعمقت بها ستجدها معتبره للغاية حتى لو لم تناسبنا.
من واقع ما رأيت أن أكثر الناس فكرًا وتحسبًا واحتياطًا وتعديدًا للاحتمالات يصل بهم الأمر في النهاية ألا يفعلوا شيئًا! يظلون على هامش الحياة يتأملون الآخرين الذين يحيون بالفعل فقط! يغرقون في الاحتمالات الرياضية الصماء ويموتون رعبًا من الفشل، لا أقول أن يصبح المرء بلا تفكير، ولكن ليعد عدته حتى حد معقول ولا يحمل نفسه فوق طاقة احتمالة في الأسباب الخارجة عن إرادته وليتوكل على الله ويخوض التجربة!

أي خيار في الحياة هو مغامرة ومن لا يريد الخسارة فلن يغامر أبدًا وبالتالي فلن يعيش أبدًا وسيظل في المنطقة الآمنة. الخوف من أن ينجب الناس حتى لا يقلدوا الناس في اختياراتهم «التقليدية» يضعهم دون أن يدروا في خانة رد الفعل وليس الفاعل كما يتوهمون! إذن، لنلفظ هذا السبب ولنضعه جانبًا، رفض الإنجاب لأن فلسفات الآخرين خاطئة أو لا تناسبنا ليس بالرأي السليم في رأيي المتواضع. هم يذكرونني بحجة الفتاة غير المحجبة التي لا تريد الحجاب لأن المحجبات تصدر عنهم موبقات ومعاصٍ هذا ما لا ترضاه! مالها ولهم أصلا!

لا يمكن أن تحكم على تجربة من بعيد دون أن تخوضها بنفسك. كانت لي صديقة غاية في الاستقلالية، وكانت تريد الزواج بغرض الزواج والحب والمشاركة وليس الأمومة كما تحلم غالبية الفتيات. كانت تسخر من الأمهات بأنه من الغباء توريط المرء لنفسه في مسؤولية تستنزفه دون أي مقابل ملموس. كنت أسمعها ولا أعلق. عندما أنجبت تغيرت نظرتها للأمر تمامًا، أكيد هي لن تكون مثل الفتيات «الأمهات بالفطرة» بالطبع ولكن الأمر لم يكن بهذا السوء الذي كانت تحكي عنه يومًا ما وأرى أنها تغيرت كثيرًا بعدما خاضت التجربة. أرى أن العيش في التجربة نفسه هام للغاية كي يكون الحكم عليها مكتملًا، خصوصًا أنها ليست تجربة «مخدرات مثلا ليصبح اجتنابها أفضل من خوضها»، ولكنها تجربة عادية إنسانية.

 الاشتباك مع الحياة

عندما ينهى المرء مرحلته الجامعية ويمر بمراحل تطور الشخصية من الاعتمادية – الاستقلالية – التشارك، يسعى طواعية للاستقرار. بعد فترة يتطور العالم من حوله لكنه يصبح بأفكاره القديمة التي تخرج بها من الجامعة (بافتراض أن الجامعة هي أوج مرحلة الفرد في تنقيح واختبار أفكاره) فيكون إنجابه للطفل فرصة جديدة لتجديد اشتباكه مع المجتمع بأفكاره، بل ويمكنه إن استطاع أن يحافظ على فكرة معينة كان ينادي بها هو من الانقراض بموته. يكون لها امتداد في ابنه/ابنته. طبعا هذا لا يحدث دائمًا لأننا قلنا أنه ليس الجميع متقعري الفكر، ولكن يمكن تبسيطه للأشخاص العاديين في فكرة (إنسان سوي صالح) أظن أن هذا الهدف رغم تقليديته الشديدة هو هدف نبيل حقًا في ظل هذا العالم المنهار. إنجاب أفراد آخرين هو نوع من التمرد ولكن طويل الأمد وعميق في الوقت ذاته.

 

 هناك جزء آخر من الزهد في الإشتباك في الحياة، وهو عدم رغبة الكثيرين اليوم في تحمل المسؤولية والاكتفاء بالمربع الآمن الذي لديهم. أصبح هذا يروج كثيرًا في نموذج ما يمكن تسميته «بالحب الكلابي» يكتفي المرء أن يفرغ طاقة الحب والعطاء عنده في أن يقتني كلبًا ويكتفي به. الكلب له احتياجات إنسانية معقدة ليس مجرد أكل وشرب ومأوى بسيط ويبدي الفرحة الغامرة عند أقل حركة من صاحبه، لا يتطلب كثيرًا كالبشر وغير متقلب نفسيًا كالبشر في نفس الوقت عطاؤه لمالكه عطاء لا محدود، كعطاء العبد للسيد وليست علاقة متكافئة. هذا ما يجعل البعض يستغني بالكلب عن شريك الحياة أو حتى عن الأبناء. قد تكون علاقة «مريحة» ولكنها أبدًا لن تكون علاقة ممتلئة. 

الحياة الممتلئة

تكون حياة المرء حافلة وممتلئة حينما يعيشها حتى الثمالة. يجرب كل الأفعال والتجارب الإنسانية التي يخوضها الجميع. ذلك لأن التجربة الإنسانية هي تجربة ذاتية بحتة وليست متراكمة كالتجارب الحضارية أو التاريخية. على كل إنسان كي يحصلها أن يعيشها بنفسه. تجربة التعليم، خوض غمار الامتحانات، تجربة الثورة لبعض الشعوب، الأمل، تجربة البحث عن الله والتعمق في التدين، تجربة الأصدقاء والانتماء لهم، تجربة العمل والكسب والذمة المالية المستقلة، تجربة تحقيق الذات والعمل في مجال تحبه، تجربة الحب والزواج والإنجاب، حتى الجانب السلبي من التجارب كالفقدان أو الهجر أو الخسارة. إن فاتك شيء خارج عن إرادتك فهو قدر من الله لا راد له ومن يرضى فله الرضا ومؤكد أنه سيكون هناك تعويض، ولكن من يتنازل طواعية عن خوض تجربة فبالتأكيد فوت على نفسه مشاعر معينة لن يمكنه تحصيلها مهما قرأ عنها، أو مهما استعرض نتائجها السلبية كي يقنع باختياره وأنه الصواب.

قرأت مؤخرًا حالة حقيقية حدثت في مجتمع شبه غربي، تحكي فيه سيدة كبيرة في السن أنها فقدت عملها، وفقدت ما كانت تدخره لأنها كانت تنفق دائمًا على صحتها المعتلة ولم تتزوج ولم تنجب ولم يعد من هم في سنها مطلوبين في سوق العمل، وهي بمفردها تمامًا ولا تدري ماذا ستفعل في حياتها الآن! كم هذا بائس وحزين حقًا.
لقد أدركت الحكمة الفطرية عند الفقراء في الإنجاب رغم عدم منطقيته بالنسبة لي، فالأفضل أن يموت المرء فقيرًا مع أبنائه على أن يموت فقيرًا وحده! فلا يجتمع عليه ألم الفقر والوحدة. تعلمت من تلك القصة أنه ليست كل الأمور تقاس بالمنطق المادي فقط. طبعا هذه تجربة ذاتية أيضًا ولكنها أفهمتني الكثير مما كان يغمض علي.

انتظار الوقت المناسب

البعض يؤجل فكرة الإنجاب حتى يستقر الزواج ماديًا، أو يتأكد الفردان أنهما مناسبين لبعض خصوصًا أن معدلات الطلاق في بدء الزواج أصبحت عالية حقًا. أنا أشجع هذا الأمر فعلًا وأراه هامًا، وأحب أن يتأمل الناس المتزوجون الجدد في حالهم بخصوص هذا السؤال، وأظن أن الأجيال الشابة فيمن أتعامل معهم لديهم من الرقي والوعي في عدم طرح هذا السؤال السخيف. لكن ما أريد التعليق فقط عليه هو ألا يطول أمر التأجيل كثيرًا، لو مرت عدة اعوام دون إنجاب ربما لن يجسر الزوجان على اتخاذ هذا القرار فيما بعد، فالاستقرار والهدوء مغريان فعلًا في ظل حياتنا بكل تحدياتها.

 في النهاية

يظل الأمر فردي وشخصي تمامًا، لا يوجد ولا ينبغي الحكم مسبقًا على أحد. لأنك لا تعرف في الحقيقة – ولا يعنينا – هل تأخير الإنجاب أو الاكتفاء بطفل أو ما شابه هو قرار واعٍ أم لظرف قهري رغمًا عن الزوجين، هذا أعتبره من معايير التعامل الراقي. فقط كن أذنًا مصغية إن قصدك أحدهم للحديث في هذا الأمر الشخصي للغاية ولا تطلع أحدًا على سره. غرض هذا المقال هو استعراض للأفكار بشكل مجرد بعيد عن أي شخصنة أو إدانه، لأنه في النهاية لن يتحمل أحد تبعات الخيار سوى الشخص نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إجتماعي, رأي, صحة
عرض التعليقات
تحميل المزيد