عاد أغلب الناس لمشاهدة كرة القدم، في الواقع هم لم يتوقفوا حتى يعودوا لكن بعد الثورة كان بريق التنافس الكروي قد خفت قليلًا بفعل انشغال الناس بالسياسة والحلم الرومانسي بإقامة دولة ديمقراطية تحترم حقوق جميع المواطنين، وبعد أحداث 3 يوليو بنحو عام أو أكثر عاد الشغف القديم بكرة القدم يداعب أحلام الجماهير – بما فيهم معارضي للنظام الحالي بل وإسلاميين أيضًا – مما جعل صراعًا شرسًا ينشأ بين من يريدون مشاهدة المباريات ومن يخوّنون من يشاهدها.

عند ظهور أية مباراة في الأفق يظهر قطاع من الإسلاميين – وقليل من الثوريين – ليلوموا من ينشغل بمباراة مدتها ساعة ونصف لأنه باع قضية المعتقلين وانشغل بـ”الملهاة” التي أعطاها له “الظالم” كي ينسى قضيته الأصلية ثم يبدأ تكنيك “ضع نفسك مكانه” ليسأل أحدهم: لو كنت معتقلًا أكنت ترضى بأن يتركك إخوانك ليفرحوا بمباراة كرة قدم؟ مع أنني لا أعرف ما يضير المعتقل في أن يحدث هذا.

حقيقة، كانت هذه الأطروحة مقبولة جدًّا بعد أحداث 3 يوليو – وفض رابعة – بشهور حين كانت الجذوة الثورية مشتعلة بداخل المعارضين وأغلبهم ينتظر لحظة الحسم “التي لم تأت أبدًا حتى لا تغضب أمريكا وبريطانيا من القيادات وتمنع عنهم الشيكولاتة”، ثم ما حدث حينها أن ظل الإخوة إياهم يقومون بتبريد الناس وتبريدهم وتبريدهم حتى استيقظوا على كابوس يؤكد أن الاستبداد ترسخ والجميع مضى في حياته، فلما انداح الواقع أمامهم ذهب كل منهم في طريقه لأنه لا توجد جدية ولا إخلاص في مواجهة الاستبداد عند من بيدهم الأمر.

في ظل هذه الحقائق المأساوية يعيش نحو 50 ألف معتقل سياسي ظروفًا لا إنسانية داخل السجون، والحديث عما يحدث لهم من انتهاكات واجب على كل إنسان، ولكن ليس معنى أن معارضًا يشاهد مباراة الأهلي والزمالك أو ينشغل بها بعد انتهائها لبضع ساعات أنه نسي من في المعتقل أو باع كل المبادئ التي لطالما تبناها ودافع عنها يوميًّا، وإنما هي طبائع الحياة، فلا أحد يعيش يومه كله في كربلائيات، ولو كانت الأمور هكذا لانتحر ذوو الشهداء الذين رأوا أبناءهم يقتلون على الهواء مباشرة وهي مشاهد قاسية أماتتهم ألف مرة بالتأكيد، لكن الحياة تستمر.

يتحدث هؤلاء اللائمون عن كون كرة القدم مجرد لعبة يهيئ لها النظام كل الظروف لكي تلهي الجماهير عن الفشل والاستبداد، وكان من الممكن أن تكون هذه الأطروحة – أيضًا – مقبولة قبل الثورة حين لم يكن قطاع من الناس قد ذاقوا طعم الحرية ويقرروا ألا يفقدوها بعد ذلك مهما كانت التضحيات.

 

كما أن فكرة تغيير النظام أو رحيل “مبارك” لم تكن مطروحة بعد ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي لها نفس القوة والحظوة التي تملكها الآن، لذلك كان الناس مهيأون تمامًا للتشاجر من أجل الأهلي والزمالك أو توجيه السباب للجزائر لأن منتخبها فاز علينا وصعد لكأس العالم، ولكن الآن أنت تشاهد المباراة ثم تعود لأي وسيلة اجتماعية لتجد أمامك أخبار الكرة وأخبار السياسة – التي غالبًا ستكون سيئة – وخلال 5 دقائق ستجد نفسك قد عدت للواقع البشع المليء بالاستبداد والمعتقلين ظلمًا والشهداء الذين لم تعد حقوقهم وبعض القيادات الموالية للنظام والتي زُرعت بداخل المعارضة ولديها عشرات الآلاف من المعجبين المتحمسين الذين لن يقبلوا أي تشكيك فيها، لحظات وتعود للواقع السيء بعد ساعة ونصف من الغياب – أو التغييب – فهل غيّر من لم يشاهدوا المباريات شيئا؟ طبعًا لا أنفي أن النظام الحالي بالفعل يحاول أن يُلهي الناس بالكرة ولكني أتحدث عن كونه لن ينجح في إلهاء المعارضين بها للأسباب السابقة، أما المؤيدون فهم لا يحتاجون للكرة أو لغيرها لإلهائهم، فهم لاهون وحدهم في أوهام أسر قائد الأسطول الأمريكي وحروب الجيل السابع ومشروع المليون فدان … إلخ.

وطالما أننا وضعنا هذا المعيار لتقييم الأمور فيمكننا أن نوجه بعض الأسئلة: كيف تتحدث مع خطيبتك في الهاتف المحمول لمدة ساعتين بينما إخوانك معتقلون؟! كيف تخرج للتنزه مع أصدقائك وهناك مظلومون في مصر؟ كيف ترفل في نعيم المناظر التركية الخلابة بينما يعيش المعتقلون في زنزانة غير آدمية؟ بل والسؤال الأهم: كيف تعقد قرانك وتذهب مع عروسك في شهر العسل بينما إخوانك المعتقلون لا يملكون – حتى – رؤية ذويهم؟ أسئلة مستفزة أليست كذلك؟ بلى، فأنا أراها كذلك، وهي بالضبط مثل الأسئلة الاستنكارية التي نوجهها لشخص شاهد مباراة كرة قدم، وهذا يوصلنا لنتيجة مفادها أن هذا المعيار – التحكمي – لقياس الأشياء لا يصلح وسيؤدي لجمود في حياة الأشخاص من كافة جوانبها مما يوقع الناس في حرج.

والملاحظة الأهم أن أغلب اللائمين هؤلاء هم أصلًا من كارهي الكرة أو الرياضة بشكل عام، وهم يعيدون إنتاج نفس الأطروحات الناصرية التي تحاول تبرير توجهاتها بأفكار تبدو أخلاقية جدًا ومبدأية للغاية ولكنها لن تغير من الواقع شيئا، هي فقط تُظهرهم في زي صاحب المبادئ في مجتمع بلا مبدأ أو النبي الذي خذله أتباعه، ثم تجد في النهاية أنك أضعت وقتك في جدل بيزنطي وتركت الفكرة الأساسية.
إن مشاهدة كرة القدم ليست بالمسألة الهامة التي تستحق مقالًا، وهذا المقال ليس هدفه تبرير مشاهدتها، كما لا يهدف لحملة “ندالة” ضد المعتقلين واعتبارهم بمثابة الموتى، ولكن المسألة الهامة بحق هي تجاوز الصراعات – الصغيرة – التي يفتعلها البعض دون طائل ثوري يُذكر، وحل مسألة انصراف الناس عن القضية لا يكمن في توجيه اللوم لهم واتهامهم بالتخاذل بل في صنع واقع سياسي جديد يتسم بالمنطقية والجدية والإخلاص، وبعد أن تصنع هذا الواقع يمكنك أن تلوم من لم يسر في ركبك وفضل مشاهدة المباريات على مساندة إخوانه المعتقلين، لا تطلب من الناس أن يتوقفوا عن الحياة – بما فيها من أمور تافهة – لأن هذا مستحيل ومنافٍ للفطرة، لكن يمكنك – على الأقل – أن تقدم لهم قدوة حسنة وتتوقف أنت عن حياتك .. وحينها يمكننا مناقشة الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد