احذر، الوطن يعود للخلف فلا منقذ، يتصايح أهله في وجه بعضهم بعضًا، أنت أغرقت السفينة، ويرد آخر بل أنت خرقتها، ولو أنهم شغلوا أنفسهم بإنقاذ ما تبقى ومن تبقى لكان خيرًا وأحسن عملًا. مصر بلد يزداد سوءًا يومًا من بعد يوم، وكثير يدَعي أنه المنقذ لكن لا أحد.

فالنظام القائم منذ ستين عامًا وهو يقود إلى الخلف، تراجع تام في كل المؤشرات السياسية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية… إلخ، ومعارضته كرتونية ديكورية غير ذي قيمة ولا تأثير، هو حرص على ذلك، وهم أيضًا ارتضوا بما أراد لهم باستخدام آليات عقيمة، وفكر ضيق في إدارة أحزابهم ومنظماتهم.

ولقد عمل النظام العسكري منذ بدء تجربته في الحكم على السيطرة على الحياة الحزبية، ومصادرة المجال العام، حتى وصل الحال إلى إلغاء الأحزاب في فترة من الفترات، وإضعافها في معظم فترات التجربة، وأصبح وجودها مجرد شكل مكمل في الديكور الجديد الذي اقتضته مرحلة التحول للتحالف مع الغرب والسير في ركبه.

فالمفهوم التقليدي للحزب السياسي، والذي هو عبارة عن تجمع لذوي الفكر المتقارب والمصالح المشتركة، يسعى إلى الانتشار الجماهيري كي يكون قاعدةً تصل به للحكم ليطبق فكره ويحقق مصلحته، أو كي تُقوي شوكته كمعارض داخل المجالس النيابية والتشريعية، فيواجه بها خصومه من الأحزاب الأخرى، سواء كانت في الحكم أو خارج الحكم.

والحزب بهذا المفهوم لايصلح للعمل إلا مع نظم الحكم المستقرة التي يحدث تداول السلطة بها بشكل دوري، طبقًا لثقة الناخب وميوله السياسية والفكرية، وطبقًا للإنجاز الذي تحققه الحكومات التي تمثل تلك الأحزاب.

أما في نظم الحكم العسكرية وشبه العسكرية التي تأخذ من الديمقراطية هيكلًا خارجيًّا تسوقه وتقمع مضمونها، فلا تجد تداولًا حقيقيًّا للسلطة، حيث تقتل المنافسة الحزبية في مهدها، ويقمع المعارضون، وينكل بهم، وتصادر وسائل الإعلام وأدوات العمل السياسي، بل والوطنية لصالحهم.

في مثل تلك النظم لا يصلح العمل الحزبي بهذا المفهوم القائم الذي لن يحقق شيئًا يذكر، سوى أن يعلن عن أفكاره التي لا يملك فرصة لتحقيقها، ويتخذ مكانه الديكوري داخل هيكل الديمقراطية التي أنشأته السلطة القائمة.

وأما المجتمع المدني الذي يتخذ صورًا أخرى للمقاومة كالعمل الخيري والتنموي ومواجهة المشاكل المجتمعية بكافة أشكالها. ربما هو أكثر فاعلية وحركيةً ببعده عن المنافسة على الحكم في شكله الظاهري، فما هو متاح له غير متاح للعمل الحزبي السياسي، ونجاحه أو فشله يتوقف على كفاءة القائمين عليه، وطرق تفكيرهم، وآثاره قد تكون جزئيةً ولكنها قد تتجمع لتقلب الدفة وتغير الاتجاه، وتحقق ما لا يحققه العمل الحزبي بشكله الحالي مع نظم الحكم القائمة.

وفي مصر ظلت الأحزاب والحركات السياسية حبيسة الدور الذي رسمه لها النظام، ولم تتخطاه، فلم نسمع عن حزب بدأ يترجم فكره العام إلى خطط تفصيلية واقعية وواضحة قابلة للتنفيذ لحل ما يمكن حله مما يواجهنا من مشاكل سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو غيرها وحاول أن يشرع في تنفيذها. وكل ينتظر دوره في الحكم -الذي لن يأتي- طالما استمرت تلك العقلية بالتعامل.

وعلى نفس الشاكلة العمل المدني لم يختلف كثيرًا، فأساليب المواجهة وطرق التمويل التي تعتمد عليها معظم تلك المنظمات والجمعيات تقليدية وبائسة.

لذا ما يتطلبه الأمر هو إعادة تعريف لطرق المقاومة، وكيف نواجه ونبتكر أساليب تزيد الوعي المعرفي للمجتمع وأفراده، وتنميه بشريًّا بالقدر الذي يمكنه من تحقيق ذاته وسد حاجاته، عندها فقط سيدرك قيمة الحرية وسيعلم من معه ومن عليه.

كما نريد أن نفهم مشاكلنا ونوصفها بدقة، ونعيد رسم خارطتها وتوزيع أولوياتها، وأن تقوم الأحزاب ولجانها، والحركات وأفرادها، والجمعيات والمنظمات المدنية والقائمون عليها، بدور أكبر في وضع الحلول، وآلية التنفيذ، ووسائل التمويل دون انتظار لكرسي الحكم، مستعينة بذلك بكتائب العلماء التي لم تجد إطارًا يسمح لها بالعمل الجاد والعطاء، متسلحة بسواعد الشباب الممتلئ حماسًا لخدمة وطنه، هذا الميدان الذي يجب أن يتنافس فيه المتنافسون، أرض الواقع بعيدًا عن منطقة الأحلام الرئاسية، والجلوس للتنظير عبر الشاشات دون عمل حقيقي، كما عليه معظم الأحزاب المدنية، أو اقتصار العمل على تنظيم الزكاة وتوزيع الصدقات لضم أكبر عدد من التابعين والمتبعين، كما عليه معظم الجماعات الدينية والجمعيات الخيرية دون عمل تنموي حقيقي يستطيع أن يمول نفسه بنفسه ليصبح خطوة على الطريق إلى الأمام، وليس للخلف كما اعتدنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النظام
عرض التعليقات
تحميل المزيد