إسرائيل الكبرى على وشك

أصبح الأمر أكثر وضوحًا، ويتجلى الوضوح كل يوم في إن ما يفعله الغرب والأمريكان كله في مصلحة حماية أمن إسرائيل، وفي طريق الحلم الإسرائيلي الكبير «من النيل للفرات»؛ فمن أجل أمن إسرائيل دكّ الجيش العراقي أحد أقوى وأعتى الجيوش العربية، وأكثرها كفاءة قتالية دكًّا دكًّا؛ خدمة لأمن إسرائيل، ووفق استراتيجة مخطط لها، ومعدة سلفًا واصل الغرب التمهيد لإسرائيل الكبرى بدك الجيش الليبي أحد أفضل الجيوش العربية تدريبًا، واستمروا إلى أن استطاعوا بذكاء ودهاء تفكيك مصادر القوة في الجيش اليمني، إلى أن وصل بهم الأمر أن يترك الجيش السوري يُدمَّر بأيدي أبنائه وأهله، ويستهلك كل قوته في حرب خاسرة طاحنة، أعادت الجيش السوري بل الشعب السوري لعشرات السنين للخلف.

ومن أجل إسرائيل خُلقت مشاكل وفتن وحروب أهلية بين الشعب الواحد، تُدمِّر الأوطان بأيدي أبنائها؛ من أجل لا شيء سوى سلطة واهية، لا تؤمّن صاحب الكرسي من حماية نفسه شبرًا واحدًا خارج القصر، سلطة مغنم لا مغرم، وهذا أحد أسباب ضياع وتوهان الأمة العربية على مدى العقود الماضية.

نحن في عصر التغريدات

طالما إسرائيل وربيبتها أمريكا، وما يُسمى بالدول العظمى لا تحترم المواثيق الدولية، ولا القرارات الأممية، ولا حقوق الإنسان، ولا حقوق الشعوب والأمم، ولا حرية الشعوب المظلومة التي ما زالت تحت الاحتلال، وتدير الأمور في ما تراه مناسبًا لها؛ فإذًا على العرب والمسلمين بالمثل فتح سفارات لها في القدس، على أن تكوّن ممثلًا لها لدى الشعب والحكومة الفلسطينية، خاصة الدول العربية التي تقيم علاقة الأردن ومصر والمغرب، فنحن أحق بالقدس، فالدبلوماسية والقانون الدولي لا احترام له، ولا مكان له في ظل العلاقات الدولية التي تحكم العالم، المزدوج المعايير، المزاجي المتسلط على الضعيف.

لا ضرر ولا ضرار كل يبحث عن مصلحته، فالسياسة فن الممكن يجب باستمرار وخاصة في العمل السياسي والدبلوماسي «عدو عدوي صديقي».

فقرار نقل السفارة الأمريكية لا قيمة له، ولا يمثل سوى خرق للقانون الدولي، وبمثابة الحبر على ورق، وفوق هذا لا زالت تل أبيب هي عاصمة دولة إسرائيل، التي لم تعترف بها غالبية الدول العربية حتى اليوم، كما أن معظم السفارات الأجنبية، والوزارات الحكومية، والبرلمان «الكنيست»، والبنك المركزي موجودون في تل أبيب، وقرار نقل السفارة قرار أخرق مثل صاحبه، ولا يفهم أحد هل هو ابتزاز أم استفزاز للعرب والمسلمين؟

وأعتقد أن عصر السفارات والممثلية الدبلوماسية انتهى دورها التقليدي القديم، وأصبح العالم يجري كل معاملاته وحتى اتصالاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، و«ترامب» خير دليل؛ فمعظم قراراته الخرقاء كانت عبر «تويتر»، فما هو دور السفارات طالما بالإمكان إصدار قرارات وتوقيع اتفاقيات سياسية واقتصادية، وربما قرار إعلان حرب، ومتابعة صفقات عبر وسائل التواصل؟ حتى قرار نقل السفارة الأمريكية ذاته جاء عبر تغريدة لـ«ترامب»؛ وهذا دليل على أن دور الدبلوماسية، وفتح سفارة وقنصلية بدأ يتلاشى، ويصبح غير ذي أهمية، طالما بالإمكان تسيير الأمور عبر وسيلة تواصل اجتماعي، وهذا ما يحدث في كثير من دول العالم التي أصبحت ترعى مصالح رعاياها عن طريق ربطهم بنظام إلكتروني عبر الإنترنت للتواصل معهم، كما إن مهنة السفير والدبلوماسي لم تعد تقتصر على ذلك الرجل المثقف السياسي الذكي المرن، والداهية الفطن، وإنما أصبحت مهنة كل رجل سياسي فَقَدَ وظيفته الرسمية في الدولة، ليُلقى خارجًا في إجازة دون عمل تحت مسمى سفير.

فعصر الدبلوماسية وفتح السفارات، لرعاية مصالح البلد ولى وشارف على انتهاء مهنة العمل الدبلوماسي، مع انتشار وسائل التواصل بشتى أنواعها، ومسمياتها، فالخدمة واحدة، وهدفها واحد؛ التواصل الاجتماعي بين الأفراد، والسياسي بين السياسيين، والاقتصادي بين الاقتصاديين، والأمني بين الأمنيين، والفني بين الفنانين… وإلخ.

أمريكا وازدواجية المعايير

فالعالم الغربي عمومًا لا مبدأ عندهم، ولا يعرفون معنى الأخلاق، ولا يفهمون شيئًا في الصداقة، ولا حتى في الأعراف الدبلوماسية، ولا في حقوق الشعوب، ولا حرية الشعوب في رفع الظلم، فقد تعوّدوا الدوس على كل شيء، في سبيل تحقيق مصالحهم الشخصية الأنانية البغضاء.

الحقيقة نحن أمة مهزوزة ومهزومة بكل معنى الهزيمة، أمة تملك كل وسائل الضعف والانعتاق، أمة ظالمة لنفسها، لم تتعلم من عِبَر ودروس التاريخ أبدًا، ولا من خبرة السنين الماضية؛ ربما لأن الفساد طغى وانتشر، وأصبح قلة قليلة تتسيد المشهد المحلي والعربي، فسدة امتصوا عرق، وشقى، وتعب الشعب، فسدة لم يكترثوا لشيء، التهموا الأخضر واليابس، وتركوا بقية الشعب في الحضيض، للفقر، والجوع، والجهل، والتخلف، أمة لن تستطيع أي تقدم وتطور، طالما الاعتماد على الغرب في مساعداته، وخيرات الأمة تذهب لجيوب علية القوم من كبار المسئولين.

النفط سلاح ليس بأيدينا

خارطة النفط العالمية تغيرت بشكل جذري، وبدلًا من استمرار اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط البعيد عنها، فإن ما سمي بالنفط الصخري بشكل غير متوقع غير الخريطة، لتجد الولايات المتحدة منابع أكثر وفرة للنفط؛ إما على أراضيها، وفي كل من النرويج، والمكسيك، وكندا، والبرازيل.

هذا التغيّر جلب معه تغيرات ليس على جانب الاقتصاد فقط، بل حتى في الجانب السياسي، والذي سيؤثر بشكل كبير في الجاذبية السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وسيحد من قدرة التأثير السياسي التي جلبها النفط لدول الخليج والعرب عمومًا الغنية بالنفط، فالوقود الصخري المستخرج من الصخور في الولايات المتحدة، والذي يشكل مصدر رئيسي من مصادر الطاقة في الولايات المتحدة، والذي أصبحت كندا المجاورة أحد أكبر منتجيه في العالم.

هذا ما يفسر تغيّر السياسة الأمريكية مؤخرًا، وأصبحت لا تبالي كثيرًا كما في السابق بشأن حلفائها السابقين، فهي تغض النظر عن كثير من الملفات، وما تذبذب موقفها تجاه القضية السورية، واليمنية، وحتى الليبية ولعبة العصا والجزرة مع الملف الإيراني، وعدم المبالاة أحيانًا كثيرة بما يفعل الإيرانيون، تاركة الأمور للفوضى التي لن يسدها ويحلها إلا الأمريكان أنفسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد