جيل الثلاثينات، فئة كبيرة، وذات تأثير قوي داخل المجتمع، عندما فكرت في طرح عنوان للمقال لما كنت أتخيل كل هذه الأفكار الهائلة التي أتت إلى مخيلتي، فتخيلت مثلًا جيل الثمانينات. وآخر جيل الإبداع، وآخر مواليد أوائل الثمانينات وكثير وكثير.

سأروي قصتي، وأفتح مخيلتي، وأذهب بكم إلى ما قبل عام ألفين بقليل، وهي مرحله الثانوية لجيل 80 إلى 85، وهو ما صار الآن جيل الثلاثينات!

هذا الجيل الذي ترعرع في المدارس الحكومية في نهاية عزها، وفي وجود آخر عتاولة التعليم في عهدها، وما أكثرهم، ولكن عذرًا ما أقلهم اليوم، عندما كان يقف إجلالا واحترامًا لهيبة المعلم، هذا الجيل الذي تشبع بالمثاليات والأحلام.

هذا الجيل الذي ناهض أفكاره وذاتيته من أجل مستقبل باهر، هذا الجيل الذي ترعرع على 6 حصص دراسية دسمة، وما كان ليتركها، بداية من حصة الدين المليئة بالمثاليات، وشيخها الجليل، وروحانيات ديننا الحنيف، وحفظا لبعض آياته من القرآن.

ومن ثم حصة اللغة العربية، وأدبها، وشعرها، ونحوها إلى آخره، دعونا نذهب إلى الوراء قليلًا، ونعرف ما هو معنى كلمة الجيل, الجيل يمثل مسافة زمنية، هذه المسافة تستغرق الفترة الواقعة بين الميلاد أو بلوغ العمر المتوسط، وهي تبلغ في المعتاد الأربعين عامًا، وهذا هو المفهوم البيولوجي للجيل، كما أن مفهوم الجيل يشمل كل أفراد المجتمع الذين نشأوا سويًا في مرحلة الطفولة، والشباب، ويشتركون في نفس الظروف، ويعيشون نفس الهموم والمعاناة، ويسعون إلى تحقيق نفس الطموحات والأهداف، كما أن العلاقة الشخصية بينهم، والأحداث والتجارب التي مروا بها جعلتهم يتعايشون في جزء من مراحل نضجهم، وخضعوا أيضا لتأثيرات متشابهة، وعوامل تغير واحدة؛ الأمر الذي يجعلهم يمثلون حلقة من الأفراد تشكل حالة متجانسة، ومفهومًا للأجيال.

ونحن يا سادة على تفسير المتخصصين، جيل الألفية وهو جيل الثمانينات، وهو جيل محمل بالطموح الزائد عن الحد، وبالبحث عن الأمان الوظيفي، وملهم بكل الاجتماعيات، وقادر على تحقيق الصعاب، ولكنه  جيل المظلومين.

بالنظر إلى وضع الكثير منهم، ستجد أنه شغوف بالبحث عن عمل، ولا يجده إلى الآن، وحين  تحقق أكثر في الأمر ستجده مختلفًا عن أقرانه من الأجيال الأخرى؛ فهو يسعى بكل جهده إلى إيجاد الحلول، وعنده من الطاقة ما تهد الجسور، ولكن نحن في أيام تهد الآمال وتنخر العظام.

هذا الجيل يا سادة هو آخر من تربى على احترام الكبير، وأن الصوت لا يعلو من الصغير، وأن الألفاظ الخارجة ستذهب به إلى الجحيم، مع التقدير لكل الأجيال، ولا أريد الخوض في تلك النقطة؛ حتى لا ندخل في صراع الأجيال، بالرغم من أن الفجوات بين الأجيال ستظل قائمة.

ولكن هذا حديث آخر، هذا الجيل يا سادة هو جيل المظلومين، فلا وظيفة، ولا تأمين، حتى عندما تظهر للأفق بعض الآمال تكون السنين مرت به؛ فقد تجاوز الثلاثين، وأصبح الآن اثنين أو ثلاثة وثلاثين، وليس له من الحكومة في وظائفها نصيب.
الأعزاء، عندما تناولت شريحة من المجتمع، وهي جيل الألفية، فأنا لا أناهض أو أنكر أو أتغاضى عن دور باقي الأجيال في المجتمع، والتواصل القائم بينهم.

ولكن تحدثت  عن وجع كثير من أبناء جيلي، منهم من تميز وسار في دربه، ومنهم من يراجع ذكرياته الجميلة، وأحداث سنينه، وما مر بها من مفارقات، ومنهم من ينتظر إلى الآن عن وظيفة مناسبة تغطي احتياجاته، أو تسد قدرًا من حياته أعزائي.

دعونا نتذكر آخر ما تبقى من الحياة البسيطة اللطيفة قبل أن تتحول الحياة بشكل كامل، وبإيقاع مختلف، ومنها على سبيل التذكرة، وليس الحصر، مما أعرفه وذكره البعض الآخر من نفس جيلي أحصره لكم بشيء لطيف وبسيط.

جيل الثمانينات خصيصًا يكن معزة خاصة للتليفزيون؛ فلم يكن في ذلك الوقت أجهزة كومبيوتر أو إنترنت، وحتى «الدش» لم يلق رواجًا كبيرًا حينها، فأصبحت ثقافة ذلك الجيل مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بالمسلسلات والأفلام التي يقدمها التليفزيون المصري.

«هرقليز وزينا»، الأمر يختلف عندما نتحدث عن شخص يعتبر رمزًا للقوة والنبل، هو «هرقليز»، والأميرة المحاربة «زينا»، والتي فتنت مراهقي الثمانينات، مع صديقتها ومساعدتها الأمازونية «جابريل».

«هرقليز» الذي يجوب العالم؛ لمساعدة الضعفاء، ومحاربة زوجة أبيه «هيرا» مع صديقة «أيوليس»، أحبه المصريون، وربما من أكثر اللحظات الهامة في حياة جيل الثمانينات، تلك التي قابل فيها هرقليز زينا؛ ففي اليوم التالي للقاء البطلين، لم يكن شخص في مصر يتحدث إلا عن تلك الحلقة.

«كابتن ماجد» الرمز الكروي الطفولي، لا شك أن الأطفال يميلون بنسبة إلى كرة القدم، إلا أن الكابتن ماجد ـ بشكل عام ـ زاد ذلك الحب أضعافًا، خاصة مع المسميات التي وضعت لكل ضربة، مثل «الضربة المزدوجة»، وعن الحلقة التي اجتمع فيها ماجد مع عدوه اللدود «بسام» في فريق واحد، وركلا نفس الكرة في نفس الوقت، وأثارت الحلقة إعجاب الجميع.

مع غياب القدوة في المجال العلمي والأدبي، اختار بعض أبناء «الثمانينات» أن تكون قدوتهم في الحياة شخصيات خيالية أو كارتونية أو فنانين؛ فهذا الجيل أيضًا حضر طمس الأدب والعلم؛ فلم يكن ظاهرًا مثل هذه الأيام وجود نوابغ ومثقفين وعلماء ودعاة، وما أكثرهم، وقد يكون السبب هو عدم توافر الـ«فيسبوك» ووسائل الاتصال الاجتماعي في أيام طفولته، حتى الإنترنت كان قليلًا جدًا في بدايته، ومكلفًا، ولا تستطيع الأسرة توفيره مثل الآن.

أعزائي ستبقى الأجيال حاضرة بما قدمته من رسائل للحياة، وستبقى الحالة العمرية والمسافة الزمنية التي تفصل بين جيل وآخر، وما يميز كل جيل عن الآخر هو الثقافة وأسلوب التنشئة، ونوعية اللغة، أي وجود نمط معين من التفكير والرغبات والطموحات، تحياتي لكل الأجيال, وهذا ما كان من ذاكراتي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد