البحث في الجذور هو الممر الأسهل للتوصل إلى درجات أعلى في نضارة الرؤية وسلامة الحكم!

(الخوارج)، مصطلح مُعلَّب يتم استدعاؤه عند ظهور أية طائفة تنزع إلى التحرر في بلاد المسلمين، كان (الإخوان المسلمون) آخر جماعة أحرزت شرف الاتهام به، وأنا هنا لأؤكد هذا الاتهام لا لأنفيه، لكن، هذا اتهام مشروطٌ بأن تنسى كل أفكارك المسبقة عن (الخوارج)!

هم، فقط، جماعة من أنصار “علي بن أبي طالب” انشقت عنه عندما قبل نتائج المكيدة التي نسقها “عمرو بن العاص” أثناء موقعة “صفين”!

كانت أرواحهم مسكونة بحلم بناء دولة العدالة، وكانوا يملكون قناعة لا تقبل القسمة على اثنين بعدالة قضيتهم!

لذلك، اشتهروا بقوة داخلية كانت كافية لإرغام التاريخ على ألا يكتب حرفًا عن المقاتل الحق قبل الرجوع إليهم، كانت أساليبهم في تربية الحروب مذهلة، وكان الواحد منهم يرفض، أكرر، يرفض، أن يُقتل قبل أن يَقتل خمسةً، على الأقل، من الطرف الآخر!

كما ذابت تلك القوة الداخلية في أشعار شعرائهم، يعرف هذا كل من قرأ شعر “قَطَرَى بن الفجاءة”!

ولذلك، لم يقفوا على الحياد، إنما تبنوا موقفًا سياسيًا صريحًا هو النضال ضد “علي” من جهة، ومن جهة ضد “معاوية”، وكل ما صدر عنهم بعد ذلك ينفي عنهم تهمة الكفر، كما أن كل ما حدث على الأرض بعد ذلك أكد أنهم كانوا على صواب!

لقد كان إذعان “علي” لنتيجة التحكيم خطًا فادحًا حمل نذر هزيمته الساحقة التي اكتملت دوائرها بمقتله، كما كان رحمًا ملائمًا لولادة الانتصار الساحق للمشروع الميكافيلي، وهو المصدر الجذري لكل ما نعيشه الآن من هزائم، لقد كانت تراكمات انفراد الأمويين بالسلطة مروعة على المدى البعيد!

توقيت نشأة (الخوارج) يزخر بالغموض، ويكاد يتحد بتوقيت نشأة (الشيعة)، وفي نفس التوقيت طفت على السطح السياسي الجيف الأولى من (شيوخ المضيرة)، و “المضيرة” لون من الطعام، وهؤلاء تكاثروا كالطفيليات الضارة في بلاط السلطان تلو السلطان حتى بلغوا من الكثرة حدًا صار معه الحقيقيون من السهل إحصائهم في كل جيل على أصابع اليد الواحدةّ!

كانت النعرة الدينية قد خفتت، وحدة التعصب قد انكسرت، وتورط المسلمون الأوائل في الثراء السريع بسهولة!

كما كانت الفكرة الإسلامية نفسها قد تهشمت إلى حزمة من الأفكار المتنافرة، يرى الملتفون حول كل فكرة الإسلامَ من زوايتهم الخاصة وفي أضواء شديدة الخصوصية!

ولا شك أن أكبر حماقة حدث أن ارتكب مثلها قائدٌ في معركة مفصلية لم تنطفئ بعدُ كانت من نصيب “علي” حين جمَّد المعركة المركزية مع الأمويين، وبدد جهود مقاتليه في موقعة “النهروان” الجانبية، كسر خلالها شوكة (الخوارج)، وقتل قائدهم “ابن وهب”!

كان الرد عصبيًا، لقد وضع (الخوارج) خطة لإغتيال الثلاثة، “علي” و “معاوية” و “عمرو”، لكن الوحيد الذي أكمل مهمته بنجاح هو “عبد الرحمن بن ملجم” الموكل باغتيال “علي”!

يستشهد الطاعنون في عقيدة (الخوارج) بهذا الحديث الملفق بعناية من عدة أحاديث صحيحة، منه:

(يمرق مارقة على حين من المسلمين، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم)

ومنه:

(يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، فإنه أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة)

هذا، ما قاله أحد أحط (شيوخ المضيرة) في العصر الحديث!

وهذا الحديث المريب هو السبب المضاء لإتهام (الخوارج) بالكفر، لكن، ما تحت السطح يؤكد أن السبب الحقيقي للحملات العنيفة التي شنها (شيوخ المضيرة) عليهم في كل زمان ومكان، بحكم شهرتها في إرضاء قلوب السلاطين، هي برنامجهم الفكري، وهو:

1- الخلافة لا تورَّث!

لقد تورطوا، بذلك، في صدام مع الدولة الأموية التي ابتكرت التوريث، ومع القائلين بأن الخلافة يجب أن تكون حكرًا على (قريش)، ولقد سبقوا “ابن خلدون” إلى هذا الرأي، بل من المؤكد أنه اختلط بهم ودرس فقههم!

2 – الشورى!

هنا نعثر على أول جماعة أسست لمبدأ الديمقراطيٍّة في شؤونها الداخلية، ومن المؤكد أنهم أول من ترنم بفكرة انتخاب الخليفة!

3 – يحق لأي مسلم ملتزم بتعاليم الإسلام أن يكون خليفةً وإن كان عبدًا محررًا أو أسيرًا!

من ذا الذي لا يحب الخوارج بعد كل هذا الجمال الإنساني؟!

صحيح أن الخوارج قد تورطوا في بعض الأفكار الحادة لكن طبيعة الصراع كانت تقتضي الحدة، وغيرهم فعل أيضًا!

وهذه قصة لامرأة مع “عتاب بن ورقاء” تؤكد انسجام ظاهر الخوارج مع باطنهم وشدة ورعهم!

أُتي “عتاب بن ورقاء” بخوارج فيهم امرأة فقال:

– أي عدوة الله، ما دعاك إلى الخروج؟ أما سمعت قول الله عز وجل:

كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا / وعلى الغانيات جرُّ الذيولِ!

فقالت:

– جهلك بكتاب الله يا عدو الله حملني على الخروج عليك وعلى أئمتك!

وهذا خبر صحيح، فهناك خبر آخر يشبهه عن “عتاب” يؤكد خلطه بين الشعر والقرآن:

خطب “عتاب بن ورقاء” يومًا، فقال وهو على المنبر:

– أقول لكم كما قال الله في كتابه:

ليس شيءٌّ على المنون بباقِ / غير وجه المسبّح الخلاّق!

فقيل له:

– أيها الأمير هذا قول “عدي بن زيد”!

فقال:

– ليقله من شاء فنِعْمَ القولُ هو!

والشئ بالشئ يذكر،

صلى “الوليد بن عقبة” بالناس يومًا وهو مخمور، فأنشد بعد قراءة الفاتحة:

عَشِقَ القلبُ الربابا / بعدما شابتْ وشابا!

والآن، من قال أن الأنظمة الديكتاتورية تقيم وزنًا لعقيدة السكان الأصليين، هي لا تهتم أن يعبدوا الشمس أو يعبدوا البقرة، شريطة أن ينفقوا أعمارهم في الدوران في هامش السيد، تمامًا، كحيوانات الحقل!

لا تكترث لهم، لك أسطورتك أيضًا، ولك الميادين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد