وأخيرًا ها هو الباب يُغلق، مُعْلنًا أول طقوس الفرح، غير مكترث بتلك الأصوات التي لم تبارك فِعْلتي والتي ألحقتني بكمٍّ هائل من اللَّعَنات، غير آبه بغضب ذوي القربى، بالعار الذي ألحقته باسم العائلة على حدِّ قولهم.

تعالت الأصواتُ في ذهني تباعًا لتُربكَ لحظتي الأولى ولتجتهدَ في أن تفسدَ حظي الأبدي، كان صوتها يتردد في عقلي كأجراس الكنائس حين تُدَقُ إحياءً لضحايا كارثة ما “خلاص الفاس وقعت بالراس”، “يا ريتني متت ولا شفتك هيك”، “لا إنت إبني ولا أنا بعرفك”.

عكر صفو أفكاري صدى الحروف، أدخلتني صراعًا مريرًا، خلتُ أن “خالتي” لم تعرفني قبل الآن! استجمعتُ مشاعري، ثم وقفتُ مُجهدًا أمام عروسي لتُبدد إشراقة ابتسامتها ظلمة تلك الأصوات التي انعكست في مرآة عيوني.

كنتُ متجهًا لعملي، لفت انتباهي وقارها، غريبة عن منطقتنا هي، حاولت أن أقطع الطريق الزراعية التي تحيط بمنازل حيّنا، دون أن أشتتَ تركيزي عليها، إلا أنني وجدتُ نفسي وعلى غير عادتي، مهتمًا بأن يرصدها البصر جيدًا، ولأن الطريق ضيقة توقفت على جانبها محترسًا أدعها تمرّ، وأقتنص نظرة أكثرَ قربًا منها بشكل ثابت.

لقد تحرَّك في النفس شيءٌ تجاهها، لا أدري ما هو، لم أستطع أن أحدّد مصدره، ظل كسربٍ تسلل فجأة لعشّه يسيل في أعماقي، هل كان لقلبِي دورٌ في هذا المشهدِ الذي مر كلمحِ البصر؟! أم أن الفضول لمعرفتها كان يعكس بعفوية ماهية شخصيتي؟! تتبعتُها ببصري حتى دخلت بيت صديق لي، ثم مضيتُ بطريقي نحو وجهتي.

في منتصف النهار تحدثتُ وصديقي… سألته عن خبر الفتاة، فقال إنها صديقة لأخته، وسرعان ما طلبت منه ترتيب لقاء سريع يجمعني به، وقد عقدُت في نيّتي الحديث معه بشأنها، علمتُ منه أنها حسنة الخلق، متفوقة بدراستها تعمل مدرسة خصوصية، وهي غير متزوجة والأجمل من كل ذلك أنها حافظة لكتاب الله.

أيام مضت وما يزال طيفها يلامس شغاف القلب كحلم، وقد طيبّ صديقي كفّ ذاكرتي من عطر سيرتها حتى انتشرت في خلايا الروح عندي، طلبت من صديقي أن يرتب الأمر مع أخته لألتقي بها، وقبل أن أهتم بردة فعله؛ صرحتُ له بأنها قد أطلقت سهامها تجاه القلب مباشرة، فما بقي في العقل من رجاحة دونها.

بعد موافقتهم التي لم تكن أيسر من شقاوةِ جلستنا، تم الأمر وفي منزل صديقي اجتمعنا، تجاذبنا معًا أطراف الحديث، جميلة هي قلبًا وقالبًا، أسرتني بحديثها وأدبها وحسن خجلها، كنتُ أستمع إليها بكل جوارحي، يحلقُ الخيالُ بعيدًا راسمًا عمرًا جميلًا، بينما تحدثني سريرتي بالكثير، لم أعرف كيف واتتني الشجاعة لأن أترجم ذلك نصًّا حاسمًا، نظرت إليها بشكل مباشرٍ عارضًا عليها الزواج! صدم الجميع توترت الأجواء خيّم صمت غريب، تمنيتُ لو أنها تستل سيفها لتمزق رجفةً سرت بأطرافي وتتحدث! ذكية هي؛ في استداركٍ للموقف استطاعت أن تشرح لي أن مسألة الارتباط بها ليست سهلة، وكيف ستعترضُ قراري عقباتٌ جمّة، سيكون هناك أهلي، سيكون المجتمع، العادات والتقاليد المهترئة، قالت بحزمٍ لا يوحِي إلا بشخصية حكيمة ومتزنة:

– وقد لا أرغب في أن أبني آمالًا وأحلامًا على أمر أشبه بالمستحيل…

أكد صديقي فكرتَها وقال: تمامًا فأنت تُقدِم على معركةٍ الخسائرُ فيها أكثَرُ من المغانم، فأحسن قيادة الحرب وإلا… قاطعته مستهجنًا وهل الارتباطُ بفتاةٍ كتلك يحتاج إلى كل ذاك الخوف؟! قل لي ما الخبر؟ فأنا قد عزمتُ الليلة أن أخاطب خالتي في أمرها وأظنها تتوق لهذا الأمر.

كانَ يومًا شتويّ المزاج، سماء عقلي ملبدة بالغيوم، ورياح قلبي شديدة الهبوب، وعرقي يهطل بغزارة مطر يناير، يقدمني الحُب خطوتين لغرفة خالتي، ويُؤخرني الخوف خطوة! وبعد مشقةٍ طرقت الباب بشكل رتيب ثلاثَ طرقاتٍ ليؤذن لي بالدخول، تستقبلنِي خالتي كالعادة بوجهها المبتسم، بلسانٍ كثير الدعاء، جلستُ بجوارها على الأرض، إذ كانت تنوي كما حسبتُ لوقتِها أداء صلاة الوتر، قبل النوم، هدوء ثقيلٌ حطّ على صدري، لا يشغل فراغ الصمتِ في الغرفة إلا قرقعة المسبحة في يدها، قالت لي بعطف: ما الخبر؟!

أخذتُ وقتًا طويلًا ألملم شجاعتِي، بطاقة الحب التي تملأ رئتي أخبرتها أنني أرغب في الزواجِ من فتاة مالَ قلبي لها. قاطعتني بلهفةٍ، وقد علا صوتُها فرحًا:

– يوم المنى يمه، مين هي وبنت مين ووين ساكنة أخيرًا هشوفك عريس ياريت إمك كانت معنا. مستغلًا حالة الفرح التي اشتعلت في عينيها، أسهبتُ بالحديث عنها وعن حسنها، وجمالها ورقّتها وارتكزت على أكثر ورقة اعتقدت أنها ستكون الرابحة، وهي حفظها للقرآن… لتقاطعني مجددًا بقولها:

– غدًا نتجهُ بإذن الله لمنزلها ونتفقُ على ما يسعدك.

أقاطعها أنا بدوري:

– أشعر أنني سأواجه مشكلة معكم؛ نعم فهي ابنة لرجلٍ سيئ السمعة! تتغيرُ معالم الفرح في وجه خالتي وقد قرأتُ فيها ما قرأت، أردف قائلًا:

– لكنّ والدها قد توفيّ قبل عدة أعوام.

ها أنا ألاحظ كيف بدأت ترتاحُ ملامحها وتهدأ نفسها لأخبرها بحقيقة الأمر، والذي كاد يوقف قلبها: والدها عميل، وقد تم تصفيته من قبل المقاومة بحرب (2008).

أؤمنُ أن الصمتّ الذي يعقبُ كارثةً هائلة هو أشدُ الأصواتِ التي يمكن سماعها ضجيجًا على سطح البسيطة.

– إنت أكيد صار بمخك حاجة، الناس شو هتقول علينا؟ إنت مش خايف على سمعتنا! كيف هيكون مستقبلنا؟ كيف هيكون مستقبل ولادك؟! جدهم عميل! ينادوا عليك بالشارع زوج بنت العميل؟! المدرسة، الشارع المجتمع، نظرات الناس، إنتَ الظاهر ناوي تقتلني، يا خسارة تعبي فيك، هاي جزاة تربايتي إلك، تجيبلي وصمة عار هتلحقنا وتلحقك ليوم الدين!

طرقت أسئلتها ميزانَ النطقِ عندي، فلم أستطع أن أقاطعها أبدًا إلا أنني قد أنفذتُ قوتي أخيرًا:

– لقد سألت المفتي، وقد أجاز الأمر من الناحية الشرعية ما دامت ذاتَ خلقٍ حسنٍ، ما بالك وهي تحفظ القرآن، أيُّ جمال ووقار يحفها أجلّ من ذلك يا خالة!

أنهت خالتي هذا الهرج والمرج، بقول قاطعٍ يا أنا يا هي، لأجيبها بشكل سريع هي ولا شيء دونها.

خرجتُ من المنزلِ، اجتمعت بصديقي، حدثته بما حصل، وطلبتُ منه أن يساعدني بأمر الزواج منها وأن يقف معي، خاصةً وأني أملكُ ما يؤهلني لذلك، أيامٌ مرت وسرى الخبر بمنطقتِي كالنارِ بالهشيم، محمد سيتزوج من بنت العميل، ضربتُ كل الأصوات بعرض الحائط وتقدّمْتُ لخطبةِ الفتاة، تمّ النصيبُ الذي قدّره الله قبل الخليقة وأجراه بيننا ذللًا. لم أطل فترة خطبتي، كان زواجًا دون صيحات وزفات، دون الرقصات الدارجة في عصرنا وكأنها الشيء الوحيد الذي سيشعرني بجو “العرس”!

أتممْتُ هذا الزواج المبارك، حتى رأيتنِي الآن أقف أمام بيتِي مبتسمًا في وجهِ مجتمع تحكمه التقاليد والمظاهر أكثر من الشرع، ها أنا أطبعُ قبلتي الأولى فوق جبين زوجتي، لأسمع صداها صرخةً في وجه المجتمعِ: نعم أنا هو زوج ابنة العميل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد