«ولأننا لازم ننتصر، نقضي على الفساد والإقطاع كي يستطيع الفقراء أن يعيشوا لا أن يستعبدوا».

كانت تلك كلمات رنانة أطلقها جمال عبدالناصر في عام 1954 اي بعد عامين من إصدار قانون الإصلاح الزراعي.

في بادئ الأمر دعني أؤكد لك أن مصر لم يكن فيها إقطاع هذا إذا قمنا بتعريف الإقطاع تعريفًا صحيحًا وهو (ملكية البشر لبشر آخرين)، ولكن كان هناك ملكيات زراعية كبيرة لدى فئة محددة من المواطنين (البشوات والبهوات)، وكانت البشوية والبهوية لقبًا ينعم به الملك على الأعيان وأصحاب النفوذ وبعض من مؤيدي البلاط الملكي.

لم يكن لدى عبد الناصر وهو يصدر قانونه أي مشروع حقيقي يقوم من خلاله بتقليص حجم معدلات الفقر أو الفساد الذي تحدث عنه من خلال تمكين الفقراء في إطار برامج محددة، ولكنها بالكامل قوانين تؤدي حتمًا للقطة ما وهو كل ما يحتاجه أي مستبد.

فظاهر الأمر أن عبد الناصر أخذ الأراضي من الأغنياء والإقطاعيين لكي يعطيها للفقراء الكادحين الذين نهبوا من قبل هؤلاء الأغنياء وتم استعبادهم في فترات الملكية. إلا ان الواقع لا يقول ذلك ولست هنا في محل لتقييم شخص جمال عبد الناصر أو مشاريعه. ولكننا هنا نقيم تجربة واقعية من مشاكل ومسببات حدثت عقب ذلك المشروع السيء الذي لم يؤد إلى إغناء الفقراء والكادحين بقدر ما زاد من فقرهم أو غير مجموعات السلطة والمال في إطار اسستبدالي لا تمكيني.

نجد أن القانون أصدر في البداية لامور في غاية الوضوح وهي إرضاء الطبقة الكادحة من خلال رشوتها بشعارات حنجورية. إلا أن الواقع قال غير ذلك، إن تلك الأراضي كانت وباءً على الفلاحين فقد عاشوا في قمع  منذ تاريخه وليس لهم نقابة تدافع عن مصالحهم. إن نزع الملكيات الكبيرة من أصحابها لم يكن أمرًا منطقيًّا إذا كان الهدف منه تمكين أكثر للفقراء فكان الأولى هو صياغة برامج تمكين ترفع مستوى معيشتهم.

فأسهل الأمور هنا هو نزع الملكية من الملاك وتوزيعها على عدد كبير من الفقراء ولكن هذا لن يحقق على أقرب مستوى حتى تمكينًا حقيقيًّا بقدر تحقيقه لتفتيت كامل للرقعة الزراعية.

وإذا استدللنا بتجربة في الواقع الحديث فلن نجد ما هو أكثر من تجربة مانديلا في جنوب إفريقيا. فالرجل كان حبيس السجون لأكثر من ربع قرن وحين خرج بثورة شعبية كان بإمكانه أن ينتقم من سجانيه وينزع ملكياتهم، ولكنه لم يفعل ذلك بل على النقيض تمامًى فقد انكفأ على العمل على برامج تمكن الجنس الأسود من النهوض به، دون أن يمس مصالح الجنس الأبيض. مع الوضع في الاعتبار أن الوضع في جنوب إفريقيا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم مقارنته بمصر.

عبد الناصر لحس كل الوعود التي أطلقها عقب انقلابه على الملك فإذا استطلعنا البنود السبعة ستجد أنه عمل على عكسها تمامًا. فصحيح أنه نزع الملكية ممن أسماهم إقطاعيين ولكن الجنرالات في عهده امتلئت خزائنهم بالأموال. فإن كان عبد الناصر جادًّا بشكل حقيقي في صياغة أكثر عدالة للثروه في مصر فما كان ليمنح الامتيازات لرجاله المخلصين، بل كان عليه أن يعكف على عمل برامج جديده تمكن هؤلاء الكادحين.

فقد زادت نسبه الفقر في عهده وظلت تتفاقم إلى أن وصلنا إلى تلك المرحلة المقيتة. فحتى القطاع العام الذي أسسه عبد الناصر والذي على إثره سمي عزيز صدقي بأبو الاقتصاد المصري كان هشًّا وضعيفًا وغير حقيقي وفي مقال قادم سوف نستطلع ذلك مع حضراتكم.

فالخلاصة أنه اختار الأسهل، والأسهل هنا هو نزع الملكيات وتوزيعها لا مجهود ولا جهد في ذلك فالمستفيدون أكثر من المتضررين نظريًّا. والأصعب بالقطع هو أبعد ما يكون عن خيال أي جنرال لا يعرف سوى لغة القوة وهي تأسيس برامج لتمكين الفئات المهمشة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد