كثيرًا ما سمعنا عن الثورة الصناعية والتي قام بها الأوروبيون في القرن التاسع عشر، والتي شهدت فيها أوروبا تطورًا ملحوظًا، فأصبحت كما هي الآن.

لكن هل سمعنا عن الثورة الزراعية، أين قامت؟ من قام بها؟ ومتى قامت؟ وما عوامل قيامها؟ دعني آخُذكم في رحلة إلى القرون الوسطى!

من أين نبدأ؟

سَتبدأ رحلتنا من الإقليم الإسلامي الممتد من الأندلس غربًا إلى الهند شرقًا، نرى فيه حب المسلمين للأرض، والوحدة الإقليمية، والتنوع المناخي والجغرافي، تلك عوامل أدت إلى حدوث نهضة في علم الزراعة، لم يشهد العالم مثلها من قبل.

المزارعون الخُبراء!

أكيد لم تسمع عن هذه الجملة من قبل في بلدك، فالمتعارف في كل الدول العربية أن الصغير يرث الفلاحة عن أبيه – إلا من رحم ربي – لكن كان الأمر أكثر تعقدًا من مجرد عملية زراعية يقوم بها الفلاح في أرضه، فكان للمسلمين كتب تتحدث بالتفصيل عن كل شيء في الزراعة.

مثلًا: عالم النبات الإشبيلي – ابن العوام – جمع الدراسات التي قام بها المصريون والفرس والإغريق في كتاب الفلاحة تضمن أربعة وثلاثين فصلًا، شملت تعليمات للمزارعين، وصف الكتاب 585 نبتة، وشرح طريقة زراعة خمسين نوعًا من أشجار الفاكهة، وذكر السماد الطبيعي ( سوف نذكره في عنصر آخر).. وغيرها من الشروح.

أن تحفر بئرًا خيرًا من أن تصنع سلاح، وأن تزرع شجرة خيرًا من أن تقطع رأس.

ابن العوام

لقد استخدم المسلمون الكثير من العلوم في خدمة الأرض، والمحصول، كعلم الفلك، الذي تمثل في كتاب تقويم قرطبة الذي وضع بتقنية عالية ؛ فكان لكل شهر مهماته، وجدول زمني شديد الدقة.

فشهر مارس (آذار) زمن تطعيم أشجار التين، وفيه تبدأ الحبوب بالنمو، وهو زمن زراعة قصب السكر، وخلاله تبدأ الورود السابقة لأوانها، ونبات الليلك، بالتبرعم، وتظهر طيور السمان ويفقس دود الأرض، ويبدأ سمك البوري رحلته في الأنهار صعودًا. ويزرع فيه القثائيات والقطن والزعفران والباذنجان، وفيه أيضًا يبدأ الجراد في الظهور وتُصدر الأوامر بالقضاء عليه.

كما صنف ابن بصال – مسؤول حديقة أمير طليطلة – في كتاب الزراعة التربة إلى عشرة أنواع، وحدد لكل نوع قدرة مختلفة؛ لتبقى تربة معطاءة ووفق فصول السنة. كما شرح كيفية إثراء الأرض بالحرث العادي والعزق والحفر والتسوية.

لك أن تتخيل بكل تلك التقنيات ماذا فعل المسلمون عندما دخلوا الأندلس لقد استطاعوا زراعة الأرض 4 مرات في السنة الواحدة بدلًا عن مرة واحدة! قاموا بإدخال كثير من المحاصيل مثل التين وقصب السكر!

كان النظام الزراعي الإسلامي بالأندلس أكثر الأنظمة التي ابتكرها عبقرية الإنسان تعقيدًا وأكثرها علمًا وكمالًا

ملكية الأرض الزراعية

وبينما يفر الفلاحين اليوم من الأرض متجهين إلى الحضر بسبب سوء أحوالهم، اهتم المسلمون بالفلاح خير اهتمام فلا تقوم الزراعة إلا بمزارع عاشق لأرضه شغوف بها، فسعوا من اللحظة الأولى إلى القضاء على نظام الإقطاع، الذي فيه ما فيه من استغلال وظلم، فأصبح للفردُ الحقِ في بيع الأرض أو تأجيرها أو يرثها أو يزرعها، فأصبح المزارع يعمل لنفسه والمجتمع، ويأخذون أكثر من النصف بقليل من ثمرة جهدهم.

السماد

ومع التطور الذي نشهده اليوم لم يَسلم السماد من التطور؛ فأدخلوا فيه المواد الكيميائية الضارة، أو بتعبير أدق المميتة، لكن كان للمسلمين قبل قرون رأي آخر، فبدأ المسلمون ببناء ذروق الطيور هنا وهناك، حتى بنوا ثلاثة آلاف برج حول مدينة أصفهان، مقسمة إلى غرف كأنها خلايا نحل، إذا مر الغريب بجوارها حسبها حصنًا لملك عظيم، يجمع منها ذرق الحمام ويفرش به الأرض في موعد سنوي.

أنجز المجتمع الإسلامي القديم، بما لديه من حب عميق للطبيعة والحياة الفطرية، توازنًابيئيًا واقتصاديًا ناحجًا، معتدلًا في عملياته، قائمًا على المعرفة المكتسبة من تقاليد حضارات عديدة وأعرافها. وكان هذا السلوك أكثر ذكاء من مجرد تراكم تقنيات، إذ مثل نحاجًا بيئيًا دائمًا، أثبت مسار التاريخ البشري نجاعته.

لم تنته رحلة المسلمين في العطاء لهذا العلم، سخروا له كل تقنيات المحيطة بهم، الحديثة منها والقديمة التي تم تطويرها بعد ذلك، ما هي تلك التقنيات؟ كيف استخدموها؟ انتظروا؛ فلرحلتنا بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد