هكذا كان تعبير الشريف حُسين (1854-1931م) عن مدى ألمه تجاه ما ألَمَ بحاضرة الدولة العثمانية، وما حل بُحلم الخلافة العربية الذي لم يكن سوى قلعة في الهواء أسست لها بريطانيا وفق ما وصف به وزير الخارجية البريطاني إدوارد غراي(1905- 1916م) خلال حديثه مع السير أوستن تشمبرلين، وزير الدولة لشئون الهند، المفاوضات مع شريف مكة حيث قال: الأمر كله عبارة عن قلعة في الهواء لن تخرج إلى حيز الوجود.

  لقد كانت عبارات الأسي والندم هي اللغة التي سيطرت على حديث شريف مكة خلال تواجده في قبرص، وهو الحديث الذي شاطره فيه والد الرئيس القبرصي رءوف دنك تاش (1924-2012م)، حيث اعتاد السيد رائف على التخفيف من آلام الندم التي سيطرت على شريف مكة؛ إذ جمعتهما صداقة قوية، فقد كان الحسين يبدأ بالحديث: آه؛ ماذا فعلت؟ أنا الآن أحمل جزاء ما اقترفته يداي.

لقد وعد الإنجليز شريف مكة بتأسيس خلافة عربية وفي الوقت ذاته كانت تتبنى القضية الصهيونية، وتسعى بخُطى حثيثة لدعم استقرارهم في فلسطين. فكم كانت مرحلة عصيبة اختتمت بها حياة الشريف حُسين؛ إذ لم تتوقف شكواه التي استمر في إرسالها للملك جورج الخامس (1863- 1936م) إلى جانب رئيس الوزراء ستانلي بالدوين (1867-1947م)، ومع تدهور وضعه الصحي سُمح له بالعودة إلى عَمّان في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1929م، وقد كتب الحسين في أيامه الأخيرة رسالة للشعب البريطاني، حيث تحدث فيها عن الأذى الذي لحق به ولحق بالعرب، فقال: لقد مزقوا وحدتهم أشلاء، وتفتتت بلادهم واحتُلت. ولا أعرف أي ذنب جنوه ليستحقوا هذه الأقدار، باستثناء ثقتهم المطلقة وولاءهم لبريطانيا العظمى، إذا كان هذا حقًّا ذنبًا. ولا يعرف أحد غير الله إلي أين سيقودهم يأسهم.

                                                              جنازة الشريف حسين

  لقد شكل العرب ورقة الحلفاء الرابحة التي تم التعويل عليها من أجل هزيمة الدولة العثمانية، التي ظلت قوتها العسكرية، بالرغم من الضعف والهزيمة، نموذجًا للبسالة والصمود، حيث كانت حملة غاليبولي خير مثال لذلك، إذ سارع الجنرال إيان هاملتون (1853- 1947م)، قائد حملة غاليبولي، بإرسال طلب عاجل إلى السير مكماهون (1862- 1949م)، ممثل الطرف البريطاني في مفاوضاتها مع الحسين، بالدفع نحو تقدمها، في محاولة للحد من خسائر الحلفاء، كما تحدث مكماهون عن مُطالبة الخارجية البريطانية له بضرورة اتخاذ اجراءات فورية، تقضي بانسحاب العرب من جبهة الدولة العثمانية، حيث كان الخلاف القائم مُتعلقًا بمسألة الحدود. فقد كان هناك رغبة في أرجاء مناقشة مسألة الحدود لحين انتهاء الحرب (1914-1918م)، وهو ما لقي رفض الحُسين؛ فالحدود وفق رؤيته مسألة بالغة الأهمية، فهي ليست معبرة عن شخص بعينه، وإنما عن أقوام وجدوا أن حياتهم الجديدة مرتبطة بالحدود والتخوم المزمع تحديدها، فلا يمكن تأجيلها كي لا تلقي معارضة من بريطانيا أو أي من حلفائها في المستقبل.

  تزامنت المفاوضات مع ظهور محمد الفاروقي الضابط العراقي الذي تعاملت معه المخابرات البريطانية ومع حديثه عن قوة العرب المنظمة ومدى تأثيرها في الجيش العثماني، وحديثه عن انتماء 90% من الضباط العرب في الجيش العثماني إلى جمعية العهد، كما تحدث عن تحالفها مع جمعية العربية الفتاة؛ مما يعكس امتلاك العرب قوة منظمة، يُذكر أن جمعيتي العهد والفتاة من الجمعيات البارزة التي جسدت نشاط القومية العربية. تعاملت بريطانيا مع معلومات الفاروقي بمصداقية تامة كما تعاملت مع المهلة المحُددة للموافقة على ترسيم الحدود بجدية، فإما القبول أو توجيه الدعم العربي الكامل للمحور. ومن ثَمَّ لابد من الحفاظ على ولاء العرب التقليدي للإنجليز، على حد وصف الفيلد مارشال كتشنر (1850-1916م).

هذا وقد بلغ حجم نفقات الثورة العربية على دافعي الضرائب الإنجليز ما يربو من 11 مليون جنيه استرليني. حقيقة لم تكن المفاوضات مع العرب سوى شكل من أشكال المناورة السياسية رغب مكماهون من خلالها عدم الالتزام بأية تعهدات نحو العرب، وهو ما دعمه اللورد كرزون نائب الملك السابق بالهند خوفًا من قتالهم للإنجليز حال عدم تلبية مطالبهم، وما بين شد وجذب؛ وإزاء الإصرار العربي جاءت الاستجابة للمطالب في مارس (أذار) عام 1916، فهي موافقة شكلية في ظل حالة الإبهام الذي حرص السير مكماهون على الالتزام به خلال مرحلة المفاوضات، والتي علق عليها بقوله: لن تثبت حقوقنا ..ولن تقيد أيدينا.

لم تكن مفاوضات الحسين- مكماهون هي القائمة فحسب، إذ كانت هناك مفاوضات أخرى بين الدول الكبري ورءوس الإمبريالية، من أجل تقسيم أملاك الدولة العثمانية التي تحدث عنها رئيس الوزراء البريطاني هربرت أسكويث (1908- 1916م) خلال خطابه في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1914م، فقال: قرعت ناقوس الموت للممتلكات العثمانية، ليس في أوروبا فحسب، بل في آسيا أيضًا، تلك الاتفاقات التي علق عليها المستشار السياسي للرئيس الأمريكي ويلسن (1913- 1921م) إدوارد ماندل هوس (1858-1938م)، فقال: هذة خطة كلها سوء، وهذا ما قلته لبلفور: إنهم يجعلون من الشرق الأوسط مكانًا يستولد حربًا في المستقبل.

  تلك الاتفاقات التي كانت سايكس بيكو مايو (أيار) عام 1916م في مقدمتها حيث علق عليها جورج أنطونيوس بقوله: اتفاقية سايكس – بيكو وثيقة مروعة. فليست هي وليدة الجشع في أسوأ صوره، حين يكون الجشع مقترنًا بالريب؛ فيؤدي إلى الحماقة وحسب، بل هي صورة مرعبة للمخادعة والمكر، وقد أُبرمت في مصر قبيل إعلان قيام الثورة العربية، بين بريطانيا التي مثلها مارك سايكس (1879- 1919م) نائب في مجلس العموم البريطاني، ويعدخبيرًا في شئون الشرق الأدنى، والطرف الآخر هو فرنسا التي مثلها فرانسوا بيكو (1870- 1951م)، وكذلك المندوب الروسي سيرجي سازانوف، وقد كانت القاهرة هي محل المفاوضات؛ لذا عُرفت بـاتفاقية القاهرة السرية، حيث تضمنت تقسيم المنطقة بما يتواءم مع أطماع الحلفاء. إن التعامل مع العرب ارتكز على تقديم الإغراءات في محاولة لدعم انضمامهم للحلفاء، فالعرب غير قادرين على حكم أنفسهم، وهي الفكرة الرئيسة التي تحدثت عنها الرحالة البريطانية جيرترودبل (1868-1926م) خلال زيارتها للأراضي العربية قبيل اندلاع الحرب فقالت: إن العرب لا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وبالتالي فالاستقلال العربي المنشود وفق رؤية الساسة الإنجليز هو استقلال عن تبعية الدولة العثمانية.

  تم إعلان قيام الثورة العربية في يونيو (حزيران) عام 1916م، حيث سارعت بريطانيا بإلقاء منشور الحسين من قِبل طائراتها على القوات العثمانية المُحاربة في فلسطين؛ فهذا هو بيت القصيد، لبيان سبب ثورة العرب وأهدافهم، حيث تضمن:  إلى جميع العرب وسواهم من الضباط والرجال الموجودين في الجيش العثماني: سمعنا بمزيد من الأسف أنكم تحاربوننا، نحن الذين نجاهد في سبيل المحافظة على أحكام الدين الإسلامي الشريف من التغيير والتحريف، ولتحرير العرب قاطبة من حكم الأتراك، ولقد كانت المملكة العربية مستعبدة تحت سلطة الأتراك مدة طويلة، فقتلوا إخوانكم، وصلبوا من رجالكم الكثير، ونفوا نساءكم وعيالكم بعد تحريف دينكم، فكيف تطيقون الصبر بعد ذلك، وتتحملون عناء الاستمرار معهم وترضون بمعاونتهم، هلموا للانضمام إلينا، نحن الذين نجاهد لأجل الدين وحرية العرب، حتى تصبح المملكة العربية كما كانت في عهد أسلافكم إن شاء الله تعالى، والله الهادي إلى سواء السبيل.

هكذا كانت مبرارات الحسين في ثورته على الدولة العلية. كان الحسين على دراية بكونه عاصيَّا وفق الرؤية العثمانية، لذا لم يتردد في إعلان مبايعة العرب له خلال موسم الحج عام 1916م، وفي 26 ديسمبر (كانون الأول) عام 1916م اعترفت بريطانيا والحلفاء بملكية الشريف على الحجاز فقط.  لقد كانت الثورة العربية صدمة كبرى؛ إذ لم تتوقف محاولات الشريف حُسين عن تبريرها، وفي السياق ذاته نُشرت أولى القصائد الحماسية لشاعر الثورة العربية فؤاد الخطيب (1883- 1957م) ، التي حملت عنوان: بعض الملام وجرب مثلنا الألما، في محاولة للرد على رافضي الخروج على الدولة العثمانية نذكر منها :

                      يا من ألحَّ علينا في ملامته                                              بعض الملام وجرَّب مثلنا الألمَا

لو كان من يسمع الشكوى كصاحبها                                مُضْنىً لما ضج بالزعم الذي زعما

  لقد شكل العرب ركيزة رئيسة داخل الإمبراطورية العثمانية، وهو ما أدركه السلطان عبد الحميد الثاني حيث وجد أن نجاة دولته يكمن في دعم أواصر التعاون بين العرب والأتراك، فكانت مدرسة العشائر العربية وكتائب الزحوف العربية التي تولت حراسة السلطان وذلك على سبيل المثال. وهنا يبقى السؤال: هل استمرت تلك السياسة خلال حكم الاتحاديين أم تبدل الوضع؟ لعل الإجابة أوجزها المؤرخ الأمريكي ثيودور لوثروب: اندفع رجال تركيا الفتاة اندفاعًا، كانوا بُعداء فيه عن التروي والحكمة، يسوقهم سائق التعصب الجنسي الأعمى، محاولين تتريك المملكة قاطبة في فترة من الزمن يسيرة.  لقد شكلت إثارة القوميات والنزاعات الطائفية والحركات الانفصالية الأداة التي من خلالها نجح أعداء الدولة العلية في تقسيمها. فهي أداة ثابتة قد يتغير مُحركوها، لكن أهدافها ثابتة مهما تبدلت حركة التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ديفيد فرومكين ،سلام ما بعده سلام :ولادة الشرق الأوسطالجديد(1914- 1922م) ، ت. أسعد كامل .
آية الله أحمد ، العلاقات المصرية العثمانية (1881- 1923م) ، (رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الآداب، 2016م) .
عرض التعليقات
تحميل المزيد