مع صعود نجم الفتاة الفلسطينية عهد التميمي على شبكات التواصل الاجتماعي، وظهور تعاطف إعلامي غربي مع قضيتها، أصبح لزامًا على الإعلام الإسرائيلي القيام بهجوم إعلامي مضاد. حيث تمتلك منظمات الضغط (اللوبي) الصهيوني والداعمين لها شبكات إعلامية كبيرة لا تستطيع أي من منظمات ضغط عالمية أخرى مضاهاتها.

بدأت القصة حين كانت عهد وعائلتها يدافعون عن أرضهم في قرية النبي صالح ضد سياسة الاستيطان والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. فقد استشهد ابن عمها وأصيب ابن عم آخر برصاصة في الرأس من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. التقطت عدسات الكاميرا صورة عهد وهي تحاول إبعاد الجنود الإسرائيليين عن أخيها، وكانت في ذلك الحين تبلغ الـ12 عامًا فقط. سارع رواد شبكات التواصل الاجتماعي في نشر مقطع الفيديو وبدأ نجم الفتاة في الصعود؛ فقد استقبلها الرئيس عباس والرئيس أردوغان بعد تلك الحادثة. توالت الأحداث إلى أن قامت عهد بضرب أحد جنود الاحتلال داخل منزلها محاولةً إخراجه وتم تصويرها على كاميرا الهاتف المحمول وانتشر الفيديو مرة أخرى على شبكات التواصل الاجتماعي، ومن ثم اعتقلتها قوات الاحتلال وحكمت عليها بالحبس لثمانية أشهر وهي مازالت قاصر.

أخذت قصة عهد التميمي تأخذ بعدًا دوليًا وتضامنًا عالميا واسعًا، فقد قام الفنان الإيطالي جوريت أغوتش برسم عهد على جدار الفصل العنصري في شهر يوليو (تموز) الماضي وقد قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله بحجة أن الرسم على الجدار مخالف للقانون.

عهد التميمي وقصتها أثرت بشدة في الرأي العام العالمي حيث أطلق عليها الفلسطينيون لقب (أيقونة فلسطين) واستطاعت القيادة الفلسطينية الحصول على تضامن دولي واسع مستغلين التضامن العالمي مع عهد؛ مما أثار حفيظة الإعلام الإسرائيلي الذي اتهمها في العديد من المقالات بمحاولتها تدمير دولة إسرائيل، وأنها تحمل أيديولوجية معادية للسامية، بالرغم من تصريحات عهد وأسرتها المستمرة حول تأييدهم للمقاومة السلمية والحل السلمي العادل للقضية الفلسطينية.

الإعلام الإسرائيلي لم يكن وحده من استهدف عهد التميمي، ففي مقابلة مع إذاعة المدينة المؤيدة للنظام السوري بتاريخ 30 يوليو الماضي بعد يوم واحد من الإفراج عنها حاول المستضيف أن يأخذ تصريحًا مؤيدًا للجيش السوري، في حين أن عهد رغم صغر سنها، قامت بالدعاء للشعب السوري فقط وبهذا انتهى اللقاء. قام بعدها حيدرة سليمان ابن السفير السوري السابق في عمان بالهجوم على عهد وتبعه الذباب الإلكتروني متهمًا إياها بالخداع، وأنها بطلة وهمية.

النيران جاءت أيضًا من رواد شبكات التواصل الاجتماعي ففيصل القاسم الإعلامي في شبكة الجزيرة قال في تغريدة على تويتر ونشر على «فيسبوك»: «عندما تسمع عهد التميمي تتحدث عن تجربتها في السجن الإسرائيلي، لا بد أن تتساءل: هل كانت مسجونة أم في رحلة استجمام؟».

فيصل القاسم الذي لديه ما يزيد على 13 مليون متابع على فيسبوك، وأكثر من 5 ملايين متابع على «تويتر» لم يقصد التقليل من قيمة عهد أو التشكيك فيها لربما أراد مقارنة السجون الإسرائيلية بسجون القمع في بلدانٍ أخرى، لكن التقط الإعلام الإسرائيلي هذه التغريدة، وأطلق أفيخاي أدرعي الناطق باسم الجيش الإسرائيلي سهامه وكذلك الإعلام الإسرائيلي الناطق بالعربية.

أصبح الموضوع خصبًا للمشككين، وبدأ الكثيرون يتداولون ما يطرحه الطابور الخامس على شبكات التواصل الاجتماعي، مثل أن عهد لا تشبه الفلسطينيات، أي أن عينيها زرقاوان، وشعرها أصفر، كأن الفلسطينيات ليس بينهن شقراوات. ومن المشككين أيضًا من قال: لماذا سمح لها الاحتلال الاسرائيلي بالسفر مع أنها قاصر؟ ومثل عهد من الصعب أن يمنعه الاحتلال من السفر. البعض شكك أيضًا بكم التغطية الإعلامية التي رافقت الإفراج عنها، وقد تناسوا أن عهد صرحت أكثر من مرة أن حظها كان جيدًا بوجود كاميرا صورتها في أحداث سابقة.

عهد ليست الفتاة الوحيدة القاصر التي أسرها جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ فهناك 61 أسيرة فلسطينية موزعات على سجنين إسرائيليين، ثلاث منهن تحت سن الثامنة عشرة. وهناك ما يزيد على الستة آلاف أسير فلسطيني لم يحظ أغلبهم بأي نوع من التغطية الإعلامية، لكن هل هذا ذنب عهد؟ وهل يمنع هذا عهد من أن تصبح أيقونة الفلسطينيين، ومن أن تمثلهم في المحافل الدولية. فزيارة عهد التميمي الحالية لأوروبا وتكريمها من قبل فريق ريال مدريد واستقبالها من قبل أحزاب أوروبية كثيرة له الأثر الكبير في تحريك الرأي العام الأوروبي والعالمي تجاه مأساة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

صناعة الرمز أو البطل تم استغلالها خلال الحرب العالمية الثانية؛ فالقناص الروسي في معركة ستالينجراد تم رسمه كبطل في وسائل الإعلام، وأصبح قدوةً للملايين وأيقونة القوة والتحدي للحلفاء ضد الجيش النازي الألماني. ولعل أيضًا قصة الطفلة اليهودية آن فرانك التي كانت تعيش في أمستردام خلال الحرب العالمية الثانية جلبت الكثير من التعاطف مع اليهود ضد النازيين، كانت آن فرانك طفلة لعائلة يهودية، وحين احتل النازيون هولندا اضطرت للاختباء لفترة امتدت إلى حوالي 25 شهرًا في قبو المنزل مع جزء من عائلتها وبعض الأصدقاء، وقد كتبت آن فرانك مذكراتها التي أصبحت مشهورة جدًا، وما زال الكثيرون يتوافدون لزيارة المنزل التي كانت تختبئ فيه خلال الحرب. لكن هل كانت آن فرانك الوحيدة التي عانت من النازيين؟ وهل كان القناص الروسي هو البطل الوحيد في ستالينجراد؟ كان لابد من صنع رمز يعبر عن الآلاف من الأبطال الذين لم تسعفهم التغطية الإعلامية وتغافل عنهم التاريخ.

كل أسير فلسطيني هو أيقونة نضال هذا الشعب، وكل شهيد هو رسالة خالدة في سبيل الحرية، صعود نجم بطل أو بطلة لا يمثل إلا تجسيدًا لبطولات جميع المناضلين والشهداء. الطابور الخامس له أجنداته الخاصة للتشكيك في رموز الحرية. أما رواد ومشاهير شبكات التواصل الاجتماعي فهم بلا شك مؤثرون، وعلى المخلصين منهم توخي الحذر في تصريحاتهم حتى لا تنساق الجماهير وراء أفكار ومؤامرات وهمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد