من حكمةِ الله في خلقهِ أن شرعَ لهم من الدين ما تستقيم به أحوال البلاد والعباد فلا يستبد ظالم ولا يُظلم ضعيف، فأنزل الله كتابًا محكمًا يحمل بين جوانحهِ نظامًا محكمًا قادرًا على تقويم النفس ومسك لجام غرورها، ومن هذه الأحكام ما تم تعليله للناس بشكلٍ ظاهر ومنها ما لم يُعلل لحكمةٍ لا يعلمها إلا الله، ومن رحمةِ الله بعبادهِ أن جَعل لهم أغلب الأحكام التي يتعاملون بها مُعللة واضحة الأسباب وما لم يتم تعليله كان جُله في العبادات كعددِ ركعات الصلاة وغيرها ونحنُ المسلمين نؤمنُ باللهِ إيمانًا مطلقًا يوجبُ إقرارنا بوجودِ حكمة للأشياء تصديقًا لقولِ الله تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).

ومع تصاعد حملات التشكيك في شرائعِ المسلمين واتهامها بما ليسَ فيها كان لزامًا علينا توضيح ما غفلَ عنهُ بعضُ المراهقين، على سبيل المثال: لقي حد الرجم معارضةً بغيرِ فهمٍ أو وعي فقط مهاجمة لكونها شريعة تخالف الهوى؟ وقالوا إن القوانين الوضعية أصلحُ للناسِ وأكثر ضبطًا لشئونهم وقالوا كذبًا إنَ بلادهم تنعم بالأمن والأمان في ظلِ تلكَ الأحكام وصفق لهم مراهقو المدنية الحديثة دون أدنى وعي أو تفكير في تلك الأقوال، دعنا نرَ تلك الإحصائيات الرسمية.

في عام 2011 سجل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن أعلى نسب حالات الاغتصاب كانت بالولايات المتحدة والبرازيل وفرنسا وألمانيا. أيضًا طبقًا لموقع نومبيو المعني بمعدلات الجريمة في البلدان المختلفة نرى كثيرًا من دول العالم «المتقدم» في مقدمة الترتيب. كما أن أعلى نسب للإنجاب في غير إطار الزواج تكون في هذه الدول مما يعمل على ر فع معدلات اختلاط الأنساب وانتحار كثير من الأبناء غير الشرعيين وإصابة البعض بالاكتئاب.

إذًا يظهرُ جليًا للناظرِ فشل تلك الأحكام في تنظيم الحياة رغم رفاهية العيش والترف الحاصل في البلاد. على عكس تلك المعدلات في عصر تطبيق الحدود أو البلاد التي تطبق فيها الحدود.

إن أساس التشريع في الإسلام هو حمايةُ المجتمع ودرء الضرر قبلَ وقوعهِ فنجد أن الأمور التي تضر المجتمع ككل قد غلظت عقوبتها في الدنيا والآخرة كعقوبة الربا لأنها تضر بالنظام الاقتصادي للبلاد وتنشر الكسل والتناحر بين عموم الناس، أما الحدود مثل حدود الزنا فجاءت في الأساس للرهبة منها لا تنفيذها، كتب الدكتور خالد محمد خالد كتابًا في أربعينيات القرن الماضي قال فيه «إن نظام العقوبات في الإسلام يحمل بين ثناياه موانع تنفيذه» والدكتور خالد يقصد تلك الشروط التي تكاد تكون مستحيلة لتطبيق الحد.

فالباحث في التاريخ الإسلامي في كل كتبه كتاريخ ابن جرير وابن كثير والجبرتي وكل كتب التاريخ التي رصدت يوميات المسلمين يرى كم حالة ضبط فيها إنسان تستوجب تطبيق حد الرجم عليه. الإجابة نموذج المرأة الغامدية ونموذج ابن مالك وأما عن 1427 عامًا فلم يطبق فيه حد رجم واحد بعد وفاة النبي، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى الدقة فلم يطبق الحد إلا على من أتى بنفسه معترفًا لا بالشبهةِ والظن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت» قال: لا يا رسول الله.

هنا نرى استبيان النبي من الرجل ومحاولة رده عن دعواه أنه زنا لكن الرجل أصر وفضل حساب الدنيا على الآخرة، ونظام الحدود قد أَغلق باب أخذ الناس بالظن فاشترط في حد الزنا أربعة شهود رأوا الواقعة رأي العين إذًا فأين الاعتداء هنا؟ وكما تعودنا من أتباع المدنية الحديثة فهم لا ينصرون إلا القوي على الضعيف فنراهم يأمرون بالعفو عن زانٍ وينسون الضعيف الواقع عليه الضرر كمثل زوج زنا بامرأة فأصيب منها بمرض فعاد لزوجته فنقل إليها المرض؟

 أليس من واجب القوانين درء وقوع مثل هذه الوقائع دون هوادة ولا تمييع وكما نرى في المجتمعات التي لا تطبق فيها الحدود اختلاط الأنساب فربما تزوج شابٌ أمه دون علمه وعلمها أليس في ذلك فسادٌ عظيمٌ وإن كانوا لم يصدروا للعالم من الحدود إلا قطعُ الأيدي والجلد والدماء زورًا وبهتانًا، فلماذا فعلوا ذلك ظلمًا في سجونهم؟ وجوانتانمو وأبو غريب شاهد على تلك الوقائع.

إن إقامة حدود الله في الأرض رحمة للعباد، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنى الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لكل ذنب عقوبة من جنسه تمنع تكراره وتعلم الناس الخوف من الوقوع في مثل تلك الذنوب كما أن تطبيق الحدود يردع الغني والفقير فالكل سواء أمام حكم الله تعالى، ولقد أقر ذلك رسول الله حينما شفع أسامة بن زيد في المرأة المخزومية التي سرقت فغضب النبي صلى الله عليه وسلم «أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطع محمد يدها» وهنا أغلق النبي صلى الله عليه وسلم الباب على كل غني تسول له نفسه أخذ شيء بدون وجه حق أو فسادًا في الأرض فاعلم أن حقوق الإنسان في الإسلام ليست مطلقة وإنما مقيدة بعدم الإضرار بمصالح الناس كما أن العقوبة في الشريعة الإسلامية منضبطة بضوابط عدة من أهمها:

أن الشريعة الإسلامية تأخذ بقاعدة «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص» منذ بزوغ فجر الإسلام، أما الأنظمة الوضعية الحديثة فلم تعرف هذا المبدأ إلا في أعقاب القرن الثامن عشر الميلادي؛ إذ أدخلت في قانون العقوبات الفرنسي كنتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وتقررت لأول مرة في إعلان حقوق الإنسان الصادر سنة 1789م، ثم ظهرت التشريعات الأخرى ويروى أن هشام بن عبد الملك قد عطل الحدود في سنة فتضاعفت الجرائم وفشا الفساد حينها قرر هشام عودة تطبيق الحدود فكان مجرد القرار رادعًا لعودةِ الأمور إلى نصابها الطبيعي.

على عكس الدول الأوروبية والأمريكية التي تكتظ بالمجرمين في السجون دون نتيجة فعلية لذلك،حتى عُرفَت مدن كاملة بالجريمة كشيكاغو ونابولي وغيرهما، فاعلم أخي أن دعاوى المهاجمين باطلة وأنها لا تحمل في طياتها إلا كذبًا وافتراء وتحميل دين الله ما ليس فيه واستغلال جهل كثير من المسلمين بدينهم وتشكيكهم فيه، واعلم علم اليقين أن شريعتك كاملة ليس فيها نقص وأن ما فرضهُ الله هو صلاح للعالم كله فاعقل وتدبر أحكام الله ومقاصدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

معدلات الجريمة
عرض التعليقات
تحميل المزيد