من الأمير الإمام إلى السلطان الشريف

‏فمشروعيات إمارة المؤمنين هي ذات المشروعيات التاريخية، لم ينقص منها شيء ولم يزد […] وهكذا فعلاقتها بالأمة تتجلى في أمور منها: قيمة أمير المؤمنين الذاتية كشريف، صاحب نسب روحي.

مقال لوزير الأوقاف أحمد التوفيق، على الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

تمتد علاقة المغرب الأقصى بآل البيت النبوي إلى فجر الدعوة الإسلامية، وصول بعض الدعاة الشيعة إلى المغرب باكرًا، واستقرارهم وسط القبائل الأمازيغية لبث الدعوة والتبشير بقدوم المهدي هربا من القمع، كانت دعوات في أرض خصبة تعاني قهر الفاتحين الأمويين، مع بيئة ثائرة منذ القدم. التبشير بقدوم الفرج على يد حفيد النبي الخاتم ليرجع الأمور إلى نصابها كانتْ شعلة في يد الأعمى المقهور، سيعم العدل والتساوي أخيرا، وسيقف العربي والعجمي لا فرق بينهما إلا بالتقوى أمام الله، دعواتٌ حالمةٌ للوهلة الأولى كما نظن، استغلها الأمازيغ الناقمون على الاستعمار الطارئ لينقلبوا عليه من داخل منظومته الدينية، فيما قام آخرون بتشكيل ديانات أخرى لإثبات استقلال بلاد الغرب الإسلامي إيديولوجيا عن الشرق (صالح بن طريف، حاميم نبي غمارة)، ويؤكد المؤرخون على أن المغرب الأقصى كان من أكثر البلاد ثورات وردّة عن الإسلام، ولم يقع إخماد انقلاباته الدينية إلا في فترات لاحقة.

المستضعفون في شرق الأرض.. ملوك في غربها

حالة الالتفاف حول الهاشميين الهاربين من بطش الدولة الأموية أو العباسية حالةٌ عامة في البلاد الإسلامية، لا يمكننا جعلها خاصية لشعب دون غيره، فالأولياء وشيوخ التصوف عامتهم ينتسبون إلى علي وفاطمة، والتبرك بما أنه طقس موغل في البدايات الدينية للبشرية معروف، وانتظار المخلّص، مهديّا كان أو مسيحا، شيمة طبعت شعوب القهر. لكن تجربة الإمام إدريس في بلاد المغرب الأقصى تظل لها خاصية مميزة: فهي أول دعوة علوية هاشمية تنجح في السيطرة على بقعة من الأرض مهمةٍ جدا لتنفصل وتستقل عن خليفة الشرق. لم يكن إدريس (بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب) أميرا للمؤمنين بمعنى الكلمة، فهو لم يدّعِ هذا اللقب الثقيل، بل اكتفى كما جاء في كتب التأريخ بأن يكون إماما للدين والدولة، شيئا أشبه ما يكون برمز تجتمع تحته عصبة قبيلة «أوربة» لتوحّد باسمه أكبر إمارة في مغرب ذاك العهد، إلى جانب إمارة برغواطة الغامضة، وإمارة بني مدرار الخارجية. تحوم آراء الباحثين حول عقيدة الدولة الإدريسية، بين من يراها امتدادا لدعوة زيد بن علي بن الحسين، فتكون بذلك أول دولة للزيدية في التاريخ قبل وصول القاسم الرسي إلى اليمن، ومن يراها دعوة سنية أسست للمذهب المالكي في بلاد المغرب ككل، كما تروّج الرسميات المغربية السنية. وعلى كل حال، فإن عقائد الدول تابعة لسياساتها، والحديث عن أيام إدريس حديث عن لحظة تاريخية كانت المذاهب والطوائف فيها ذات وشائج معقدة، ولم تكن الحدود الفاصلة بين المذاهب قد أخذت شكلها الحالي.

وأنا إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، جداي […] فهذه دعوتي العادلة غير الجائرة، فمن أجابني فله مالي وعليه ما عليَّ، ومن أبى فحظه أخطأ، وَسَيرى ذلك عالم الغيب والشهادة إني لم أسفك له دما ولا أستحللت له محرماً ولا مالاً. *من دعوة المولى إدريس للمغاربة.

لم يكن إدريس أميرا للمؤمنين، بل كان إماما، يتخذ مسافة دينية متساوية من الجميع، حيثُ لم تكن له عصبية القبيلة وفق المنظور الخلدوني، بل كان الرأي لشيوخ الأمازيغ من قبيلة أوربة، وهو ما سيحاول ابنه إدريس الثاني الانقلاب عليه عن طريق «استيراد» كفاءات عربية إلى فاس لتعوّض الكفاءات الأمازيغية، الأمر الذي يجعلنا نشك في «الحب الأسطوري في آل البيت» الذي ترويه لنا كتب التاريخ، فالحركة التي قام بها إدريس الثاني، ثم ما فعله ابنه بعده من تقسيم البلاد على إخوته الأمراء (التاريخ الدبلوماسي للمغرب، عبد الهادي التازي، المجلد الرابع)، سيمهّد لانهيار الإمارة الإدريسية على يد الأمازيغ أنفسهم، ودخول المغرب في عهد متقلّب الأوجه، تطبعه سيطرة قبائل مغراوة وصنهاجة وبني يفرن على نوع من الحكم الذاتي تحتَ مظلةِ الخلافة الأموية من جهة، أو تحتَ رعاية الخلافة الفاطمية من جهة أخرى. وسيتراجع دور الأدارسة قبل انقراض دولتهم بشكل تام في المغرب على يد المنصور بن أبي عامر، بعد أن يقطع رأس آخر أمير إدريسي، الحسن بن كنّون.

إمارة منقرضة وخط نسب نبوي حي

معالجةُ الخلفية الأديولوجية للدولة الإدريسية مهم جدا عند الحديث عن تاريخ الأشراف آل البيت في المغرب، فكل الدول المستقلة التي حكمت المغرب بعدهم ستؤسس إديولوجيتها الدينية انطلاقا من لحظة وصول إدريس إلى طنجة. وهكذا، وباستثناء المرابطين، سكان الصحراء الملثمين، الذين انقرضت دولتهم بمجرد بلوغها الذروة، فسنرى أن كلا من الموحدين والمرينيين والسعديين ثم العلويين استمدوا شرعية استحواذهم على عرش المغرب الأقصى عن طريق ربط صلة مع الإمام إدريس. شيء فهمه الطامعون في الحكم مبكرا، وهو تلك الحاجة إلى مبرر ديني يتجاوز التقوى الدينية لكبح المعارضين، وليس هذا الشيء إلا العرق الطاهر النقي والدم النبوي.

بعد وصول المرابطين إلى المغرب قادمين من تخوم الصحراء الكبرى وقضائهم على كل العصبيات الأمازيغية المتصارعة على عرش فاس، قام يوسف بن تاشفين عقب غزوه للأندلس ببيعة الخليفة العباسي، وفضّل حمل لقب «أمير المسلمين» لكيلا ينازع خليفة الشرق في لقبه التشريفي كأمير للمؤمنين وخليفة لرسول الله، أمر لا يقدّم ولا يؤخّر، إلا أنه شكّل إضافة إلى عوامل أخرى، أسباب الانهيار السريع لدولة المرابطين على يد عدوّ ظل نائما في المغرب بعيدا عن السياسة. فقد قامت قبائل مصمودة التي احتملت الغياب والخضوع، وعلى يد المهدي محمد بن تومرت المنسوب إلى آل البيت (عن طريق الإمام إدريس كما تروي شجرة النسب الخاصة بالبيذق، المؤرخ الرسمي للموحدين)، قامت على أشلاء المرابطين الذين رأتْ فيهم دُخلاء وطارئين على البلاد، ووحدت المغرب الكبير من فاس إلى حدود ليبيا ثم الأندلس بيد من حديد، بأيديولجيا قويّة ومرعبة، ثم بادعاء خلفاء سلطانها الأول عبد المؤمن بن علي للنسب النبوي عن طريق ربطهم بكنّونة، إحدى بنات الإمام إدريس الثاني بن إدريس الأول.

المرينيون حركة انتهازية، لم تقم على دعوى دينية للجهاد وحمل راية الإسلام كما فعلت الدول السابقة، كانت أشبه باللصوصية وقطع الطريق أولا، ولم يهتم زعماؤها بالنسب، إلا بعد توطيد الحكم وقطف ثمار السلطنة، آنذاك برزت الحاجة إلى إخراس الطامحين من الأشراف والعلماء، فقامت الآلة الدعائية بصوغ سلاسل نسبية تربط بني مرين أحيانا بالعرب القيسية، وأحيانا أُخر بعلي بن أبي طالب عن طريق ابنه الحسن سبط الرسول (المُسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن، ابن مرزوق التلمساني)، وقام بنو مرين بتنظيم شؤون المنتسبين إلى آل البيت وإغداق الخير عليهم وتشريفهم ورفعهم عن درجة العامة وتخصيصهم ببعض الامتيازات، كالإعفاء من الضرائب ومن الخدمة في الجيش، وبإقامتهم على رأس وفود الحجيج إلى مكة، ولا ننسى الحدث الأبرز: تشييدهم للضريح الإدريسي الحالي بعد اكتشاف القبر المجهول للإمام إدريس عن طريق رؤيا منامية. كان السلطان المريني يهدف إلى نشر رسالة واضحة: أنا نقيب آل البيت، وأنا القائم على شؤون أحفاد النبي، لأنني الوريث الشرعي.

حالة لم تستمر طويلا، خصوصا بعد تضعضع الجهاز المركزي للدولة المرينية وخليفتها في الدم والقبيلة الوطاسية، سقطت عدة موانئ وثغور بيد المحتل الإسباني والبرتغالي، وتكدس المدافعون المغاربة خلف الزوايا التي أحْيتْ وظيفة الجهاد، ظهر على الساحة أمراء طامحون بإمارات مستقلة، نذكر من بينها إمارة شفشاون في أقصى الشمال، التي أسسها علي بن راشد حفيد الأدارسة، ليدخل المغرب في أيام انقسام داخلي لم ينته فعليا إلى مع وصول السعديين إلى السلطة، حاملين معهم الإرث السوسي من مهدوية الدولة الموحدية، إذ دعا أبو عبد الله محمد القائم إلى نفسه في سوس، و«خطبهم خطبة عجيبة بلسان البربر، ذكر فيها ووعظ، وحض على الجهاد» كما يذكر الزياني في الترجمان المعرب، مع نسب يمتد هذه المرة إلى محمد النفس الزكية أخ المولى إدريس، نسب له ما له، فالنفس الزكية جد السعديين كان قائد الثورة ضد العباسيين في الشرق، بينما إدريس فرّ وهرب وكان وصيّا على العرش الروحي لأخيه، هكذا فإن السعديين طمحوا إلى كبح طموح أبناء عمومتهم من أدارسة فاس وغيرهم مؤسسين لمفهوم «السلطان الشريف»، أو «الملك-الكاهن» وفق مصطلح فراس السواح، الملك الذي يمسك السلطة الوقتية الدنيوية إلى جانب السلطة الدينية الروحية، هو أمير المؤمنين الذي يرى نفسه أحق بالمنصب من سليمان القانوني سلطان القواريب العثماني كما وصفه مرة السلطان محمد الشيخ السعدي، الذي اغتاله العثمانيون فيما بعد ورفعوا رأسه في الإستانة. كان السعديون يرونَ إلى الشمال الإفريقي بعين صاحب الأرض والسماء، مبتعدين ما أمكن من الاكتفاء بعصبية القبائل التي قد تنقلب في أي وقت، فقام المولى المنصور أحمد الذهبي بتشكيل جيش من العبيد على غرار الانكشارية العثمانية، بعد غزو سلطنة سونغاي والاستحواذ على الذهب والنفوس. ولن تكون السلالة الفيلالية العلوية الحاكمة حاليا في المغرب إلا امتدادا لسلالة السعديين، كلتاهما تدعي نسب محمد النفس الزكية، وكلتاهما مؤسسة على سلطة المخزن والسلطان الشريف. الذي يضمّخ نفسه بألقاب عظيمة ومقدسة: الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. (الفصل 41 من الدستور المغربي).

عود على بدء

في هذا السرد الخفيف لتقلبات الأجواء السياسية المغربية، نرى أن خطوط النسب مهما اختلفت، فإنها تمر بإدريس بن عبد الله: عقب بيعة العاهل الجديد في المغرب، يقوم الملك بزيارة شرفية إلى ضريح إدريس الثاني بفاس لأخذ بركة وليّ المغرب ومؤسس الاستقلال «الشريف» لهذه البقعة النائية من بلاد الإسلام والضامن لوحدتها الروحية، إن هذا الإمام الحسنيّ الفارّ من ظلم العباسيين هو بطرس في كنيسة المغرب، وعلى صخرته تشكلت نواة الدولة المخزنية. رموز السلطة الروحية تبرز بجلاء في حفل البيعة والولاء، وفي الاعياد والمناسبات الدينية من موالد نبوية ودروس حسنية، يحرص فيها القصر الملكي على بروز الملك أميرا للمؤمنين راعيا وحاضرا بهيبة، كوريث شرعي لسلطة النبي الروحية عن طريق زوج ابنته: «عليّ مني بمنزلة هارون من موسى» و«اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد