لطالما أحببت علي عزت بيجوفيتش لطالما كانت كلمات ذلك الرجل تمثل بصيرة ممتدة لي, في ذلك الوقت الذي أمسكت فيه كتابه الإسلام بين الشرق والغرب صادفتني جملة أضاءت لي  الكثير«كانت محاكم التفتيش في الماضي يزعمون أنهم يحرقون الجسد لكي ينقذوا الروح, أما المحققون المعاصرون فإنهم يفعلون العكس، يحرقون الروح بدلا من الجسد».

لا بد وأنك سمعت ما قالته والدة ريجيني  «عذبوه وقتلوه كما لو كان مصريا» أخذت أبحث في أصل الموضوع وترتيبه, ريجيني تم اعتقاله من محطة البحوث في الدقي، وفي سلسال تتابع الأحداث تم تعذيب ريجيني وتشويهه، حتى إن والدته تعرفت على جثته من أنفه فقط, كان ذلك بعدما وجدت جثته ملقاة على الطريق الصحراوي، كيف تعرفوا عليه وقد كانت جثته مشوهة، وبعد ذلك تخرج الداخلية الأوراق الثبوتية الخاصة به بعدما ادعوا أنهم وجدوها مع عصابة؟

دعني أرتشف بعض العصير وأجفف عرقي، فالطقس في إسطنبول اليوم ليس على ما يرام, لست مدخنا، رغم أنهم يقولون إنه في تلك الحالات المسماة بالتداعي والتشابه يستفيد المدخنون من دفع دفقات النيكوتين الصناعي إلى المخ عوضا عن النيكوتين الطبيعي، لكن هذا ليس مهما.

ذكرني ما حدث مع ريجيني بأحمد (رحمة الله عليه), في السادس من أكتوبر 2013 وفي ذلك التاريخ تحديدا كان الجنرال محتفظا بزيه العسكري، وقد أقاموا احتفالات مملوءة بالراقصات وغيرها من وسائل الترفيه, بإمكانك أن ترى على يسار الشاشة معي عدة مسيرات في أكثر من ميدان، من بينها الدقي ومداخل التحرير، وقد تعرض الكثير من المشاركين فيها إما للاعتقال أو التصفية الجسدية، وكان أحمد ممن اعتقلوا يومها.

كان دوما ما يحمل بطاقته الشخصية معه أينما ذهب، اختطفوه وظل ثلاثة أيام مختفيا لا يعرف أحد عنه شيئا، وفي اليوم الرابع نفاجأ بخبر وجود جثته محترقة ملقاة في النهر, ليس البحر، ليس ثمة بحار في القاهرة، إنه النهر! ورغم التفحم الذي  أصاب جسده كان بإمكانك أن تستشعر وجود ضرب العصي على جسده وأثار التعذيب, شعرت حينها أنه يشبهني بشدة, شعرت وقتها أني في انتظار المصير ذاته، لكني شككت بعدها أنهم سيلقون بجثتي في النهر، من الممكن أن يلقوا بها في مكب النفايات, لن يكرروا نفس المكان, أنت تعرف أنه لا بد من التغيير بين مرة وأخرى حتى لا يستطيع أحد تتبع بصماتهم, أعرف أنك محق وأن أمر البصمات ذلك لن يشكل فارقا بالنسبة لهم، فليس ثمة محقق جنائي يستطيع التحقيق معهم، لكنك تعرف أن الأمر إذا ما تعلق بالقتل فالاحتياط واجب.

يشاء القدر أنه وبعد حوالي سنتين ونصف تتكرر الحكاية مع ريجيني، مع اختلاف أنهم لم يلقوا بجثته في مكب النفايات بل على قارعة الطريق.

راودني هاجس سأخبرك به, إذا أردت أن تعد القهوة فافعل ذلك بنفسك، ولا تقطع حبل أفكارى, هل يعقل أن الرجل الذي  قتل الاثنين شخص واحد, نفس الطريقة ونفس المنهاج, ربما هو نفس المنهج المنحل والطريقة الشيطانية هى سر ذلك التشابه.

انظر إلى يمينك، هذه الورقة، أشار أحمد خالد توفيق إلى شيء يشبه ذلك في نفس الرواية التي  أخبرتك عنها سابقا, «السنجة» قال فيها «سوف تعودون إلى دياركم، وسوف يخرج العسس من الجحور، ولسوف يمزقون كل من كانت له علاقة بالثورة أو أيدها أو أمتدحها أو لم يشتمها، سوف يتشممون بيوتكم وأفواهكم بحثا عن رائحة هتاف ضد الرجل, سوف يفتشون أسرتكم وغرف كراركم وفريزر الثلاجة, ولسوف يتحول ميدان التحرير إلى حلبة سيرك روماني يُلقى فيه الثوار إلى الأسود, سوف يحكم قبضته أكثر وسوف يعاقب الجميع، ولسوف يفهم رجاله كل أخطاء يناير، ولسوف يوفدون الوفود إلى الولايات المتحدة، لدراسة منع حدوث أي ثورات أخرى في المستقبل. هل كتب لهذا البلد أن يظل في هذا المستنقع؟ علمته تجارب شبابه أنه لا شيء يحدث أبدا، وأن الحق لاينتصر أبدا، وأن دماء من يموتون تذهب هباءً، وأن الغد أسود من اليوم دائما».

انتفض العالم من أجل ريجيني، وكان لأمه الحق في أن تلقي كلمة في البرلمان الإيطالي، لأرى بعدها صحفا أوروبية ومنظمات حقوقية تطالب بحقه، أما والدة أحمد فكان بكاؤها ونشيجها هو سبيلها الوحيد المعبأ بالقهر.

وكأن أوروبا بأسرها لم تكن تعرف أنه على مدار السنوات الماضية لم يكن هناك تعذيب وقتل ممنهج وانتهاكات تتم بحق الشعب المصري، لكنه في النهاية الميزان الأعوج، الذي يحكم العالم الذي لا يعترف إلا بالأقوياء وذوي النفوذ الدولي، وستعرف حينها أنك إن أردت أن تحكم بالإعدام على شخص، عليك التأكد من أنه مصري، فالأمر محفوف بالمخاطر، أما (المصريون)، فلا بواكي لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد