بعد فشل المفاوضات بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية علی جعل الحزام الحدودي «السوري التركي» منطقة آمنة خالية من التنظيمات الإرهابية، بما فيها الميلشيات الكردية، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) بتغريدة نشرها علی حسابه في توتير بدء عملية «نبع السلام»، مشيرًا إلى أن هدف العملية هو تطهير شرق الفرات من تنظيمي«PKK. YPG»، والقضاء علی الممر الإرهابي الذي شكلته هذه التنظيمات علی طول الحدود التركية السورية.

وبعد عدة أيام من انطلاق العملية، استطاع من خلالها الجيش التركي والجيش الوطني السوري إحراز العديد من الانتصارات، أبرزها تحرير مدينتي تل أبيض ورأس العين وأكثر من60 قرية وبلدة في محيطهما، والسيطرة أيضًا علی أجزاء واسعة من طريق «M4» ليمنع وصول الإمدادات إلی هذه المناطق.

وفي بيان نشرته وزارة الدفاع التركية عبر توتير فقد جرى «تحييد 653 إرهابيًّا من حزب العمال الكردستاني، قوات حماية الشعب، في عملية نبع السلام».

في المقابل صرح رئيس الحكومة المؤقتة، عبد الرحمن مصطفی، علی صفحته في فيسبوك قائلًا: «تحية إعزاز وفخر لشهداء جيشنا الوطني، الذين قدموا أرواحهم في سبيل تحرير الأرض من شذاذ الآفاق تنظيم «PKK» الإرهابي، حتى تاريخ اليوم 75 شهيدًا، و255جريحًا، روت دماؤهم الزكية أرض سورية الحبيبة في معركة نبع السلام».

وأضاف، «يجب علينا جميعًا ألا ننسى أن هؤلاء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم وسالت دماؤهم من أجل أن نحيا بسلام وأمان».

وبعد سلسلة الهزائم المتتالية التي مُنيت بها التنظيمات الكردية، سارعت إلى إجراء مُحادثاتٍ بينها وبين ميلشيات أسد الطائفية؛ لتُبرم بعدها اتفاقية تُمكن ميلشيات الأسد من الدخول إلی بعض المناطق الحدودية، وبعض مناطق الأكراد وأهمها «منبج، وعين العرب، وعين عيسی»، وقد صرح مظلوم قائد قوات سوريا الديمقراطية لقناة «سي إن إن» الأمريكية أنه بحاجة لهذا الاتفاق بعد تخلي دونالد ترامب عنهم، وبحجة حماية حقوق الأكراد المدنيين، وضمان مناطقهم، وإمكانية صهرهم لاحقًا في ميلشيات أسد الطائفية، مع عدة ضمانات، حسب مقال نشرته زمان الوصل علی موقعها.

وفي 17 من أكتوبر اجتمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس؛ لبحث تطورات عملية نبع السلام، ومحاولة إيقافها، إذ استمر هذا الاجتماع لمدة أربع ساعات في القصر الرئاسي بأنقرة، اتفق من خلالها الطرفان بتعليق عملية نبع السلام لمدة 120 ساعة، وانسحاب المليشيات الكردية من مناطق شرق الفرات تدريجيًّا.

إعلان الطرفين تعليق عملية نبع السلام في شرق الفرات شكل صدمة موجعة لسكان هذه المناطق؛ لما ذاقوه من أفعال هذه التنظيمات من انتهاك للأعراض، والقمع، والتجنيد الإجباري، والإتاوات، إذ المفترض من هذه العملية تخلصيهم وضمان عودة المهجرين منهم إلی قراهم ومدنهم.

في يوم الثلاثاء  22 من أكتوبر اجتمع الرئيسان التركي والروسي في مدينة سوتشي، تناولا من خلاله الاجتماع الملف السوري وعملية نبع السلام، وآخر التطورات التي حصلت في أثناء تنفيذها؛ إذ اتفق الطرفان علی الحفاظ علی عملية نبع السلام من تل أبيض إلی رأس العين دون تغيير، وإنشاء آليّة مشتركة لإدارة المنطقة الآمنة ما عدا مدينة القامشلي، التي تتوزع السيطرة فيها بين ميلشيات أسد الطائفية والميلشيات الكردية الإرهابية.
وقد نشرت أورينت عل موقعها الرسمي نقلًا عن وزيري خارجية البلدين بنود هذا الاتفاق المتضمن ما يلي:
انسحاب ميليشيا قسد (تشكل الوحدات الكردية) خلال 150 ساعة القادمة من جميع المناطق على الحدود مع تركيا (شرق الفرات)، لتنتشر بعدها دوريات الشرطة العسكرية الروسية، وبعد إنهاء عملية الانسحاب ستنظم دوريات روسية تركية مشتركة في تلك المناطق.

وينص الاتفاق على تعهد الطرفين بالتصدي للمجموعات الإرهابية كافة على الأراضي السورية، والتعاون معًا في إعادة اللاجئين الطوعية إلى المنطقة الآمنة.

ويلتزم الطرفان وفق الاتفاق، بالحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية، وتعزيز الأمن القومي التركي، والعمل على دفع العملية السياسية في سوريا عبر دعم عمل اللجنة الدستورية.

بعد هذا الاتفاق المفجع بين روسيا وتركيا، اقتصرت عملية نبع السلام علی المنطقة بين تل أبيض ورأس العين بعمق30 كيلومترًا فقط لتذهب آمال المستضعفين وسكان المناطق الأخری أدراج الرياح، ويعودوا من جديد إلی توهانهم وتشردهم ونزوحهم، بل إن جميع السوريين الموجودين في المناطق المُحررة، سواءً في إدلب، ومناطق غصن الزيتون، ودرع الفرات شعروا بالإحباط من جراء هذا الاتفاق؛ ليضاف هذا الخنجر بخاصرة الثورة اليتيمة، ويری غالبية الثوار أن هذه العملية أعطت للنظام مناطق جديدة كان يحلم بالسيطرة عليها أو علی الأقل لو أراد السيطرة عليها لكلفته الكثير من الميلشيات والأموال لتصب من جديد في مصلحة نظام الأسد، ليسميها البعض، وأنا منهم، بـ«نبع النظام» بدلاًمن «نبع السلام».

اتفاقات وبيانات لدول عظمی كانت كفيلة بالقضاء علی تطلعات هذا الشعب المكلوم، فمن خذلان الفصائل التي آمنت بها، إلی خذلان الضامن التركي لهم في مناطق إدلب، ومناطق شرق الفرات، ليكتمل بخذلان الجيش الوطني الذي قرر الذهاب مع الحليف تركيا، وترك هذا الشعب وتطلعاته.

لا يسعني القول إلا إن هذا الشعب مهما خُذل ومهما قُمع ومهما كُسر فلا بد من يوم يعيد أمجاده، سيصدح أحراره من جديد، وسيُبعثُ ذات يومٍ من جديد متمردًا على كل من خذله وخانه ولعب بثورته اليتيمة، والتي بيُتمها سُميت أم الثورات.

تحية لهذا الشعب العظيم، تحية لأطفاله المشردين، وشبابه الصادقين، وللنساء التي أنجبت من صدح بالحرية يومًا وطالب بإسقاط نظام الفجر والعهر في سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد