دخل الكاتب مختارًا بقدميه عرين الأسد، عارض حائز نوبل وقصاص العرب الروائي المبدع نجيب محفوظ، عارضه بلغة الشعر أي كتب قصيدة على وزن قصيدته مثلما فعل شوقي مع رائعة ابن زيدون، وفي الحالتين لم يخسر أحد بل ربح القارئ.

نجيب محفوظ لم يشاهد فيلم بين القصرين ولا السكرية ولا قصر الشوق قبل أن يكتب القصة بالطبع! ولكن مراد فعل. مثلنا جميعًا شاهد الأفلام بل وقرأ بالتأكيد الروايات الثلاثة وغيرها لمحفوظ وفطاحل الأدب الذين كتبوا في هذه المرحلة، وعن هذه المرحلة، ولكن الفتى الواثق من أدواته عبر العرين سالمًا بل عبره بأفكار وطنية جديدة وسيرة لأناس لم تذكرهم الروايات القديمة على قوتها وغزارة وثراء شخصياتها.

مراد الذي صنعت روايته الفيل الأزرق جدلًا بين القراء بفئاتهم المختلفة ففريق المحافظين – إن كان لنا أن نسميهم كذلك – وهم قراء محفوظ وحقي وإدريس والسحار وشلبي وغيرهم من الأعلام، وجدوا متعة فعلًا في القراءة ولم ينكروها ولكنهم تعجبوا من سياق الدراما وخصوصًا عندما ذهب إلى ما وراء الطبيعة بفعل فاعل وهي حبة الفيل الأزرق في الرواية، فتحفظوا على السياق الدرامي أنه مهجن بين الواقعية وبين الهلاوس وذلك طبعًا لم يعِب الرواية بالنسبة للذين يقرأون الروايات المترجمة والأدب الحديث.

نعود إلى رواية 1919 وكما قلنا بدأ الرجل في التفصيل من قماشة قديمة ومعروفة ولكنه أخرج بذلة حديثة تنافس القصات العالمية، وتطرق لشخصيات الوافدين إلى مصر في هذا الوقت مثل الأرمنية ورد وتابع بإنسانية كيفية دخولها مجال بيع الهوى ووصف بيوت الهوى بتفاصيل دقيقة في هذه الفترة، وإن كان قد بالغ في الألفاظ والمشاعر التي قد تنفر البعض، ودخل بإنسانية أيضًا في تفاصيل العمل الوطني ضد الإنجليز وقتها، وكان صريحًا وهذا متوقع في علاقة سعد زغلول بالقمار، وتناول حياة الملكة قبل العرش بشيء من الشاعرية يبرر به شطحاتها والتاريخ السيء المحفوظ عنها بعد العرش ووفاة زوجها.

طبعًا لم يفُته علاقة القصر الملكي بالإنجليز وخنوعه لهم الذي فرط في الكثير من حقوق مصر ومع ذلك لم يبخسهم حقهم في مواقف أخرى. وتناول أيضًا تفاصيل العمليات الفدائية وصناعة المتفجرات البدائية ضد الإنجليز والرسائل التي كانت بين اللنبي المندوب السامي ووزير خارجية بريطانيا وقتها. وتطرق إلى ما كان محرمًا تقريبًا على من قبله وهو موضوع حسابات الثوار مع بعضهم في فترات الجذر من بعد الثورة، والتي يكون فيها بعض المغانم.

فهذا الثوري الذي فقد إصبعه وعشر سنوات من عمره في السجن يطالب بعد السجن بوظيفة تشبه وظائف من شاركوه الثورة وسجنوا أقل منه. ولأنه شارك في عمل فدائي ولأن الثورة وقتها كانت تحتاج إلى تحسين صورتها السلمية، فقد عرضوا عليه وظيفة كتابية براتب ضعيف فتذمر وخان الثورة بل وسلم بعض رجالها للإنجليز. لم يتطرق أحد في هذه الفترة على الأقل فضلًا عن فترة ما بعد 1952 عن خيانة الثورة ورفاقها فقد كان معظم ما يأتي من هذه الفترة حالمًا فيما يخص الوطنية وخصوصًا أن هناك محتلين متحدون تجاهه.

مراد له بصمة كأي كاتب ولكنه أكثر من السباب والمشاهد الساخنة هذه المرة. لم يفقد حنكة الدراما وأن يجعل قارئه يظل ممسكًا بروايته حتى ينهيها مع فواصل من الأكل وقضاء الحاجة والذهاب للعمل والعودة للرواية وهذه أهم ميزة في الراوي، أن يكون سردك ممتعًا، تذكر كم كتابًا تركته في منتصفه وستعرف أن هذه ميزة وموهبة فعلًا.

الدراما تأثرت كثيرًا بما رسخ في عقله الباطن تجاه أفلام هذه الفترة وخصوصًا بيوت بيع الهوى. فشخصية (النجس) القواد لا أظنه قد خرج عن شخصية محمود عبد العزيز في درب الهوى وتقريبًا المجموعة كلها من بائعات الهوى وحريق الوجه كل هذا أظنه محفور في العقل الباطن للكاتب فلم يستطع الخروج منه خروجًا كاملًا، وضف أن الاسم نفسه يصف الشخصية وهذه مدرسة نجيب محفوظ بالطبع، وطبعًا هذا لا ينفي الإبداع.

النهاية هذه المرة لا مجال فيها لوجهة النظر فمعظم الأحداث تاريخية وخيال الكاتب يضيف عليها بعض التشويق فقط في سيرها للنهاية المحتومة، وهذا أراح الكاتب من عناء انفصال فريقين حول جودة النهاية كما حدث مع روايته الفيل الأزرق.

هذه المتعة في التفاصيل ليس سهلًا أن تعطيها لقارئ لأدب الأسماء الكبيرة في أول المقال، ولا لشاب تعود على حلاوة مقاطع أحمد خالد توفيق وسحره أيضًا. ولكن مراد يفعلها وهذا يحسب له ويضعه بين الروائيين الكبار وهذا ليس عجيبًا، فقد عرفنا في وقتنا الحالي وتقدم أدوات الاطلاع أمثلة من المثقفين والكتاب ينافسون العظماء القدامى الذين كان عندهم الوقت أطول ولم توجد إلا الكتب الورقية وليست بهذه الوفرة أيضًا. فلا عجب أن يظهر موهوب مثل مراد ولا نبخسه حقه وموهبته لأن عندنا عملاق مثل محفوظ.

الخلاصة أن الرواية رائعة وتتناسب مع الدعاية والضجة التي صاحبتها وتثبت أن مراد لديه القلم الذي يستطيع أن ينتج روائع أدبية وفي نفس الوقت تكون شيقة للشباب مع تحفظنا على إجبار البعض منهم على ألفاظ قد يراها خارجة وكنت أرجح أن تكون هناك نسخ أقل من 18 إن كان هناك شيء كهذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد