(عذرا.. لقد قصفت تل أبيب) عبارة قالها أحد مراسلي الصحافة الصهيونية ونفسه تمتلئ حسرة وألم، ليس لأن جيوش الدول العربية هي التي قصفتها بالصواريخ، بل إن مصدر الحسرة والألم هو أن الصواريخ جاءت من غزة المنهكة بالحصار وبالدمار، وأن الذين قصفوا تل أبيب لم يحملوا رتبا ونياشين، ولم يلتحقوا بأضخم الكليات العسكرية، ولم يتدربوا على أحدث الأسلحة، وليس لهم امتيازات خيالية، بل هم فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى، أعدوا ما استطاعوا إليه سبيلا، قادهم قائدٌ فذ عرف أن الحق لا يُستجدى بل يُنتزع انتزاعا، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

أحمد الجعبري، قائد أركان المقاومة رجل سجل اسمه في سجل الشرفاء بمداد من ذهب، قدم من أجل فلسطين الشيء الكثير، ضحي بثلاثة عشر عاما من زهرة شببه في السجون الصهيونية ولم يندم، ولما خرج من السجن لم يكتف بما قدم ولم يرقد للراحة، بل عمل وقاد كتائب القسام في أحلك الظروف، وبكل قوة صمم على صناعة رجال لا يهابون الموت، فنجح بذلك وبشهادة الجميع، فكان أيقونة المقاومة وتابع المقاومين في الميدان، كان مقبولا من أطياف العمل العسكري، ولم يبخل على أي فصيل بالسلاح والتدريب؛ لأنه كان يرى أن تحرير فلسطين هو عمل جماعي يتطلب أن يتعاون الكل من أجل إنجاز هذا الهدف.

إن الشهيد أحمد الجعبري بمثابرته على إنتاج جيل رائد عملاق يؤكد أنه يستكمل المسيرة النضالية التي بدأها قادة المقاومة منذ اغتصاب فلسطين، فكل قائد وضع لبنة في جدار المقاومة ومن جاء بعده يكمل ويطور ويحسن من أداء وفعالية الحركة النضالية ليرسم بعدها لوحة مشرفة من إنتاج الأرض المباركة التي تلفظ الغريب عنها وتحاربه بكل قوة.

أحمد الجعبري ظل وفيا لرفاقه في السجن، ولم يهدأ له بال حتى تمكن من تحرير جزء منهم حينما قاد عملية إخفاء الأسير الصهيوني لدى المقاومة (جلعاد شاليط) في صفقة مشرفة شفت صدور قوم مؤمنين، ولن ينسى أحد ذلك المشهد الذي ظهر فيه الجعبري وهو يمسك بيده جلعاد شاليط ويسلمه للوسيط المصري بعد أن اطمأن أن رفاق الأسر رأوا النور تحقيقا لوعد القسام الذي قال (لن يرى شاليط النور ما لم يره أسرانا).

إن الاحتلال باغتياله للقائد أحمد الجعبري ومرافقه الشهيد محمد الهمص قد فتح على نفسه جبهة قوية لم يكن يتوقع أن تكون ردة فعل رجال الجعبري كما كانت، فقد أذاقوا إسرائيل الويل في حرب الأيام الثمانية التي أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية (حرب حجارة السجيل).

إن الحب الذي حازه الجعبري من الجماهير حيًا وميتًا يدل دلالة واضحة على إخلاصه لله ثم لفلسطين وتمكنه من آليات وأدوات كسب القلوب، حيث جمع بين قوة الشخصية والعزيمة وطيبة القلب، فكان نموذجا رائعا للقائد الأخ والأب، فمن ينظر للجعبري يرى فيه الإنسان الوديع الهادئ، لكنه حين النزال يكون كما قال الشاعر (كأنهم في ظهور الخيل … عاصفةٌ).

لقد قضى الجعبري حياته ولسان حاله يقول (إن الامل في البقاء والنهوض والانتصار – حتى في أشد حالات القهر والكرب والانكسار – هو الذي يجعل الحياة حياة، حياة قد تهدأ وتكمن، لكنها لا تذوي، ولا تموت) ولا أخال أحدا ينسى العبارة التي قالها أحمد الجعبري (إن سلعة الله غالية، إنها الجنة) وكما قال الشاعر (سوق الشهادة حول القدس رابحة … وجنة الله للعلياء تدعونا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك