أتشرف بأن كانت آية كريمة عنواناً أساسيًا لكلماتي هذه، خاصة أني أرجو أن تكون نبراسًا لكل من تسول له نفسه التعرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفي البداية والنهاية أردد مع الشاعر:

وما مدحتُ محمدًا بمقالة .. ولكن مُدحتْ مقالتي بمحمد!

بداية يلزم أن أقدم نقاطًا مهمة هنا، أعرف وأعلم تمام العلم والمعرفة أن قصة حوار الزند مع حمدي رزق على قناة صدى البلد مساء الجمعة الماضي «12من مارس» ما هو إلا فقاعة، بل إنه كان مقدرًا لها أن تكون  إحدى «اشتغالات» النظام الانقلابي المصري، ولكن:

تقفون والفلك المسخر دائر .. وتقدرون وتضحك الأقدار!

«1»

لم يكن السياق في الحلقة التي قدمها «حمدي رزق» يحتمل ذكر سيدنا محمد من الأساس، أو حتى المتوقع لا من قريب ولا من بعيد، ولكن لربك، سبحانه تدابير تعجز عنها العقول والأفهام، وإذا أراد فأمره بين الكاف والنون!

قدر الزند إنه في موقف بطولة نادرة، فهو رغم فضائحه وسوابقه، ورغم علم قائد الانقلاب ونظامه البالغ الفساد والإفساد بالقضايا التي تمس الشرف والأمانة التي تلاحق «الزند» إلا أن السيسي في تحد جديد لإرادة المصريين عينه وزيرًا انقلابيًا للعدل، رغم استيلائه على أراض وغيرها، ورغم أنه في عهد الرئيس محمد مرسي حرض الغرب على مصر، وطالبه بالتدخل لإقالة رئيس منتخب بإرادة جموع المصريين، وبالديمقراطية والصندوق الانتخابي النزيه.

وطالما جاء رجل مثل الزند وزيرًا انقلابيًا للعدل، رغم طرده من منصب قاضٍ بالإمارات سابقـًا، وهو جزء من تاريخه الملوث، وعمله كإمام بأحد مساجد إمارة رأس الخيمة، وهو شرف لا يدركه مثله، ولكن من قال، في المقابل، إن الذي لم يصلح للقضاء يُعين في الإمامة بالمساجد!

الموقف واضح إذن الرجل منذ جاء يتحدى لتصفية خصومة، ويسخر القضاء المصري لمصالحه الخاصة، وعلى «عينك يا تاجر» كما يقول المصريون، وهو في لقاء رزق نفسه بصدى البلد يقول:

ـ لماذا لا أحبس الصحفيين فهناك قضاة يسجنون!

وهو يقصد القاضي الفاضل الذي سجن في قضية بيان رابعة المستشار «أمير عوض» في 21 من فبراير الماضي، إذ إنه في سابقة نادرة تاريخيًا أمر وأصدر رئيس مجلس تأديب القضاه أحمد جمال الدين عبد اللطيف قرارًا بسجن قاضٍ مثله لأيام بتهمة إهانة القضاء!

«2»

نحن أمام الزند وقد ظن أن مصر قد دانت له، في عهده يتم سجن القضاة الأشراف، وهو يستولي على المال العام كما يريد، و«يلعب» في السياسة كما يحب، ويسجن الأمناء بنفس التهمة التي أدمنها، بل هو يوزع المال العام على أهله وحماه وغيره كما يحب دون حسيب أو رقيب فقد دانت له مصر، ولم يستح من القول بأنه وأمثاله الأسياد فيها وغيرهم هم العبيد، أي الشعب المصري في صورته الشريفة النقية اليد والقلب واللسان عبيد لديه، بل تمادى في الانحياز والجبروت فقال إنه لن يشفي غليله سوى قتل عشرة آلاف أمام كل ضحية للشرطة أو الجيش، والرقم الذي بالآلاف من الإخوان تحديدًا، وكأنهم ليسوا بشرًا مثله اختلفوا معه في الرأي والتوجه، مع إدانتنا بالطبع لمقتل كل إنسان من هنا وهناك، إلا وفقـًا لشرع الله ثم القانون الصحيح الواضحين في الأمر، وهو مفترض أنه وزير لـ«العدل» لا يخجل من ذلك القول الذي يدعو فيه بصورة واضحة إلى حرب أهلية في مصر، والغرض استئصال الشرفاء في صورة الإخوان منها، وهم الذين مهما اختلف معهم صاحب هذه الكلمات لا ينكر أفضالهم على مصر، والزند القائل منذ أيام إنه في سبيله إلى سنّ قانون يحاسب فيه والديّ «الإرهابي» من وجهة نظره هو.

إذن «فـمن مأمنه يؤتى الحذر»، الرجل امتلأ وقارب الانفجار، والانفجار يساوي أن صحفيًا أو اثنين استخرجا شهادة ميلاد لحماه في سبيل إثبات تربحه من خلاله، ولإثبات القرابة، وثوثيق أنه اغتصب أرضًا للدولة فيما يُعرف بقضية نادي قضاة بورسعيد، وعلم الزند فطار صوابه:

«وتقدرون فتضحك الأقدار»!

كما قال وأبدع أبو العلاء المعري، رحمه الله.

«3»

ـ تسجن صحفيين إذن؟!

ـ أسجن من يتعرض لي، ولو كان النبي، أستغفر الله!

قالت العرب:

«مهما أضمر امرؤ من أمر فإنه يبدو في فلتات لسانه»!

قال بعضهم، ومنهم علماء دين وأدعياء:

ـ الرجل لم يكن يقصد لذا استغفر!

ومرت الجملة على حمدي رزق في البرنامج، وكان يلعب دور المذيع فيه، ببرد وسلام نادرين على قلبه:

ـ أسجن أي حد، ولو كان «نبي»، صلى الله عليه وسلم، أستغفر الله العظيم.

في البداية كان «نبي» ولم يحدد الزند أي نبي، أي نبي، ثم تطور الأمر للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولما أفلت الأمر من يده، فهو على الهواء مباشرة استغفر، ثم في اليوم التالي لما تصاعدت الأمور قال:

ـ أثق في أن الرسول سيقبل اعتذاري كما قبل اعتذار «كفار مكة» يوم فتحها!

«باظ النظام» الخاص بالرجل تمامًا فصار يقر بأنه مثل قريش يوم فتح مكة ممن لم يكونوا مع الرسول العظيم طبعًا.

وقال الشيخ الشعراوي، رحمه الله:

ـ دليل طيبة قلب محدثك أن عزم الشر لديه يبدأ كبيرًا ثم يصغر، ودليل فساد القلب أن يبدأ الشر فيه قليلاً ثم يعلو، نبي .. ثم النبي، ثم يقبل اعتذاري كما قبل من «كفار قريش»!

«4»

كان الانقلاب والأجهزة السيادية وعلى رأسها السيسي ينوي ترك الزند يفتعل المشكلات مع جموع شرفاء المصريين ويسبهم ويتربح على حسابهم، وكل ما يصدر عنه من قبل ومن بعد يدخل في دائرة «اشتغال» المصريين، ولكن الله كان له تدبير آخر.

لم يذم الرسول العظيم أحد، على مدار التاريخ كله وسلّم، وبلاد المسلمين من أدناها إلى أقصاها تثور لمجرد «سب» كافر له، صلى الله عليه وسلم، ونظام السيسي أصلاً ليس عميق الإيمان بالله ورسوله، والزند هو وحمدي رزق ظنا أنها كلمة وستمر، والسيسي لم يعد يخشى في ظل هذه الأجواء الاستثنائية غضب الشارع المصري، بل يكاد يكون الأمر على العكس تمامًا، فماذا حدث إذن؟!

وقيل بركات سيدي محمد، صلى الله عليه وسلم، السيسي قبل التصريح بيوم واحد، الخميس 11 من مارس، التقى ملك السعودية، وأمير قطر وغيرهما في محافظة حفر الباطن للمناورة العسكرية السعودية، وهؤلاء فيهم ومنهم الذي يخشى أن يتم «تعييره» في بلاده أنه يلاقي رئيسًا وزير عدله يسب الرسول العظيم، ترتيب إلهي إذن لم يكن ليخطر لا على قلب ولا فكر ولا حتى بال الزند أو السيسي أو شريف إسماعيل، رئيس الوزراء الانقلابي، أما تمام الترتيب الإلهي والانتصار للرسول العظيم، فهو أن يرفض الزند تقديم الاستقالة بعد مكالمة الدقيقتين في عُرف جريدة الوطن، وتبوح الشروق واليوم السابع، والمصريون بأنه «ركب دماغه» وقادته قدماه إلى قصر الاتحادية ليرفض السيسي لقاءه ويصدر إسماعيل قرار إقالته، فحتى شرف الاستقالة لم ينله!

«5»

تحدث العاص بن الربيع، وكان مشركًا ومات كذلك، عن الرسول العظيم في قلب الكعبة عقب وفاة ابن الرسول العظيم إبراهيم، فسأل العاص بعض المشركين لماذا تحدث فقال:

ـ إن محمدًا أبتر، أي مقطوع الولد من الذكور، فلا يعظم في عينيكم أمره!

فأنزل الله قوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)» سورة الكوثر.

وشانئ الرسول العظيم أي شاتمه وسابه، والأبتر أي معدوم الذكر في الدنيا وما عند الله في الآخرة، إن لم يتب من قلبه صادقـًا، وللحقيقة فإن القصة ليست نهاية الزند في الدنيا فسيعوضه أسياده من السيسي ونظامه، وسيأتي وزير انقلابي جديد للعدل ليس بأفضل منه بكثير وربما قليل، لكنه سيظل «أبتر» على الأقل ما لم يتب في الدنيا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الزند, القضاء, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد