تعجبت عندما قرأت مشاركة أحد الأصدقاء لمقال كتبه أحمد عز – أمين التنظيم وعضو لجنة السياسات بالحزب الديمقراطي المنحل وصاحب مجموعة شركات عز والجوهرة ونائب مجلس الشعب السابق – عن التفاؤل وتكذيب الشائعات المتراودة حول انهيار الاقتصاد المصري، وأوضح بالمقال ست ملاحظات كفيلة بطمأنة قلوب الجميع وإيضاح التلاعب الإخباري الذي تمارسه الصحف والمواقع لزعزعة الاستقرار، وقام بدعم تلك الملاحظات بالأرقام والإحصاءات التي تبهرك بمدى ذكاء هذا الرجل الذي اعتبره الكثيرون مثالًا للنجاح والتميز لما امتلكه من سلطة ومال ونفوذ، وعند قراءتك للتعليقات على المقال ستجد احتفاء شديدًا بما ورد فيه وثناء غريبًا أصابني بالذهول، لقد مضت قرابة ثلاثة أعوام فقط ليس أكثر منذ النطق بالحكم عليه بالسجن 37 سنة في ثلاث قضايا فساد وللأسف نسي الكثيرون هذا، لم أتمكن من منع عادتي الدائمة بتكذيب كل ما يصدر عن رموز النظام الأسبق فقمت بقراءة المقال وأنا مندهش فعلًا من قدرته على سرد الأرقام بتسلسل ساحر يجعلك غارقًا في بحر التفاؤل، المنطقية والموضوعية هي جزء مفتقد في إعلام النظام فلا يمكنك الآن وضع تعليقات ساخرة أو عمل «كوميكس» تتخذ من مقال كهذا مادة للضحك، لكن بإمكانك أن تقرأ ببطء كل كلمة كتبها بهذا المقال والتحقق من صحتها وستجد الكثير من الغرائب والطرائف.

ذكر أحمد عز في بداية مقاله أثر الترهيب الإعلامي على حالة الناس وكيف تسبب هذا في خروج تقارير دولية تتحدث عن تردي الأوضاع في البلاد، إن لم تكن تلك دعابة فليخبرني أحدكم رجاءً ما المعايير التي تتبعها المؤسسات الدولية في كتابة مثل تلك التقارير؟ لا أتخيل أن تلك الوكالات والمؤسسات تعتمد على أحاديث المقاهي، أليس كذلك؟ دعنا من هذا ولندخل في صلب الموضوع وهي ملاحظاته الست التي ستغير نظرتنا لسياسة الحكومة لمعالجة الاقتصاد.

الملاحظة الأولى

«ليست أول أزمة.. وليست أكبر أزمة».

تعارضت أولى كلماته مع البنك المركزي الذي صرح بأن الدين الداخلي والخارجي وصل لأعلى مستوى في تاريخه هذا العام، أما بالنسبة للإحصائيات التي ذكرت فلم يلفت انتباهي سوى إحصائية 2003 التي تبين أن عجز الموازنة وصل إلى 13% وهذا يتعارض مع تقارير وكالة رويترز التي قالت إن في تلك السنة كان عجز الموازنة 7% بعد أن كان 5.4% في عام 2002 وتلك فعلًا كانت تمثل أزمة في ذلك الوقت، الشاهد في الأمر هو أن الكاتب أوضح أن العلاج الشافي كان زيادة معدلات النمو في تلك الفترة وبالأرقام نجد أن الحكومة بالفعل قامت بحل تلك الأزمة ولكن ليس بزيادة معدلات النمو بالطريقة الاقتصادية السليمة، بل قامت بالاعتماد على صناديق التأمينات والمعاشات وهذا ما عبر عنه المصرفيون حينها بأنه تأجيل للمشكلات ليس أكثر ويعد اقتراضًا من الأجيال القادمة وسينتهي الحال بكارثة مالية بعد عشر أو خمس عشرة سنة، أي أننا الآن نحصد أخطاء النظام وتلك الأزمة التي نمر بها هي نوع فريد، نوع كارثي.

الملاحظة الثانية

«المقرض الرئيسي للحكومة لا يزال هو المصريين».

هل تريدون أن تأكلوا البلد؟ وماذا إن اقترضنا من صناديقكم وسنداتكم وودائعكم؟ ألا ترون أن الأمر هزلي بما يكفي، القروض الداخلية تأتي على حسابنا وحساب أبنائنا بشكل مرعب، أنت تقترض من المصريين ويعود الأمر عليهم بالغلاء والعجز وتتباهى بأن ديونك الداخلية هي أكبر من الخارجية بنسبة 80% والسؤال هنا يقول «كيف وصلت الحكومة إلى دين داخلي بقيمة 2.49 تريليون جنيه دون أن نعلم الأسباب أو نرى النتائج؟»، بالبحث عن معدلات زيادة الدين العام ستجد أن هناك وثبات عملاقة حدثت ما بين عام 2000 حتى عام 2010 تمثلت في زيادة أكبر من 600 مليار جنيه والمدهش أكثر هو الوصول لأكثر من ضعف تلك الزيادة في الفترة ما بين عام 2014 وعام 2016، لا تقل لي إن ديون الحكومة تأتي من المصريين وتعود عليهم، اثنان ونصف تريليون جنيه ليس رقمًا صادرًا عن خيالاتي بل هي تصريحات وزارة المالية والبنك المركزي الذي أثبت فشله في إدارة الأزمة، أين ذهبت كل تلك الأموال؟

الملاحظة الثالثة

«أي تحليل منطقى يشير إلى قدرة الاقتصاد المصري على تحمل 30 مليار دولار إضافية ديونًا خارجية. إذا بلغ معدل النمو 8% سنويًا».

أعتقد أن التعبير الأصح هو أن جيوب البعض هي التي تتسع لـ30 مليار دولار إضافية وليس مديونية الاقتصاد، توضيح بسيط؛ لم يصل معدل النمو الاقتصادي في البلاد إلى أكثر من 7.5% خلال الأعوام العشرين الماضية وحاليًا معدلات النمو تتراوح ما بين 3.8 و4.2%، الأمر محير بعض الشيء لمن لا يستوعب الصورة بشكل كامل فقد يكون كلام الكاتب صحيحًا إن كانت معدلات النمو ستزداد، لكن إن دققنا في الأمر فسنجد أن الاقتصاد ربما يكون يلفظ أنفاسه الأخيرة، في فرنسا وفي الوقت الراهن تحتفل باريس بالتفوق على نفسها والوصول إلى نسبة عجز 3.5% وهذا أقل من القيمة التي وعدت بها الاتحاد الأوروبي وهي 3.8%، وتتبع فرنسا سياسة تقشفية حقيقية لعلاج أزمة الدين الذي وصل إلى 95.7% من الناتج العام وذلك باقتطاع عدة مليارات من ميزانية الإنفاق والرعاية الاجتماعية وتخيلوا لماذا يتقشفون؟ يهدفون إلى خلق المزيد من فرص العمل وذلك بتخفيض الضرائب على الشركات مما سيساعدهم بالوصول من معدل نمو 0.4% إلى 1% خلال العام القادم. لا أدري أي سياسة نتبع في بلادنا التي تزداد ديونها يومًا تلو الآخر وعجز الموازنة يصل إلى نسب خيالية وفي نفس الوقت تزداد الضرائب وتقليص المنح والزيادات وبالنهاية يدعونا أحدهم للتفاؤل بأن نسبة النمو الاقتصادي لدينا مطمئنة، أي نوع من الاطمئنان هذا وأنا أجد غيري يعاني من مشاكل مماثلة وبرغم هذا يعالجها بكل شفافية ويحافظ لشعبه على حياة كريمة بل ويقلص من الأحمال على كاهله، هل يمكن لأحدكم إخباري كيف سيزداد النمو الاقتصادي في ظل الظروف التي نمر بها؟

الملاحظة الرابعة

«بدءًا من الاقتراض لتمويل «توك توك» أو سيارة نقل، حتى تمويل مصنع بتروكيماويات».

ما خطبكم مع التوك توك؟ تقارنون اقتصادنا بأمريكا ثم تتحدثون عن مشروع التوك توك؟ يتحدث الكاتب عن الأصول التي تملكها الدولة وكيف أنها تتفوق على الولايات المتحدة في قدرتها على مواجهة الديون بسبب ما تملكه، الأمر الذي لن يتسبب في إفلاس الحكومة بل في دفع 90 مليون مصري للاقتراض إما لشراء احتياجاتهم أو لتمويل المشروعات العملاقة كالتوك توك، يمكنكم الضحك والسخرية الآن فقد قالها بكل صراحة «الحكومة لن تفلس.. الشعب هو من سيقترض». لقد بدأت الصورة تتضح أكثر فأكثر وإن كنت أرغب في ألا أقوم باكتشاف المزيد عن الحقائق حتى لا يتم اتهامي بخلق مناخ تشاؤمي.

الملاحظة الخامسة

«التمويل الذي يبني اقتصادًا حديثًا هو ذلك الذي يعرف الجميع فاتورته؛ الدائن، المدين، المستثمر، المواطن».

بالطبع كلنا يعلم أنه يتحدث عن قرض بنك النقد الدولي وكلامه صحيح بنسبة مائة بالمائة، لا توجد دولة بالعالم بلا ديون لكن العبرة في كيفية إدارة هذا الدين وألا يتجاوز الحدود الآمنة، هنا يأتي السؤال «بعد فشل (صبح على مصر بجنيه) و(تحيا مصر) و(القناة الجديدة) وارتفاع الأسعار و(القيمة المضافة) وزيادة الديون وعجز الموازنة و(عايزين الفكة دي معرفش إزاي)، هل هذا النظام قادر على حل الأزمة ويمكنه استخدام تلك القروض بحكمة؟».

الملاحظة السادسة

«تصحيح سعر الصرف إجراء يؤدي مباشرةً إلى تقليل الواردات (بما يوفر دولارات)، وزيادة في الصادرات (بما يوفر مزيدًا من الدولارات)».

حقًا؟ أي أن انخفاض قيمة الجنيه ووصول قيمة الدولار للضعف في خلال عامين هو أمر جيد بالنسبة للاقتصاد ولا خوف منه وسوف يتم تصحيح الوضع تلقائيًا بسبب زيادة الصادرات وتقليص الواردات، لكن أين هي تلك الصادرات؟ ليس لدينا مصدر دخل خارجي غير قناة السويس والسياحة والبترول، وقد فشلت الحكومة في إدارة تلك الموارد الثلاثة، أين هي بدائل الواردات؟ نحن نستورد تقريبًا كل شيء فأين تلك البدائل التي ستحد من هذا الاستيراد.

كان هذا نهج الكاتب، وإن دققت أكثر فستجد مغالطات في الأرقام وتلاعبًا بالحقائق ليدفعك للإيمان بقدرة هذا النظام على حل الأزمة، لا أدري أي القناعات تتبعون لكني على موقفي كما قلت في البداية، لن أصدق أي شيء يصدر عن رموز النظام الأسبق، ما بالكم بكلمات من اتهموه بالاحتكار والفساد ونهب البلاد وكاد أن يقبع في السجن لبقية حياته، دمتم أحرار فكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد