المقال الأول بعنوان: “دع الحياة وابدأ القلق
يتبعه الآخر بعنوان: “دليلك لـ”إنترفيو” فاشل

 

نقطة 1:
قام الكاتب بالحكم على علوم التنمية البشرية بأنها “أكبر وأسوأ عملية غسيل مخ جماعي في التاريخ الحديث” مستندًا إلى بعض الأمثلة التي ذكرتها عليه مدربة ما في إحدى الدورات التدريبية – وهذا يعتبره المناطقة خطأ “تعميم” – حيث أنه من الخطأ الجسيم الحكم على مفهوم عام من خلال التعرض لأحد مصاديقه (الأمثلة الواقعة تحته) ودحضدها، بل يستلزم الأمر التعرض لكل المصاديق أو معظمها أو على الأقل عدد من الأنواع المختلفة من المصاديق (الأمثلة) للوصول إلى حكم عام صحيح.

 

وأنا لا أنكر وجود مثل تلك الأمثلة في مجتمعاتنا ولكنها بالطبع لا تعبر عن جوهر علوم التنمية البشرية، ولا تعبر عن كل القائمين على التدريب على وسائل التنمية البشرية.

 

ويمكننا تعريف التنمية البشرية HR Development باختصار كالتالي:
هو العلم الذي يبحث في تنمية وتطوير مهارات وقدرات الإنسان.

 

على سبيل المثال: أساليب إدارة الوقت – أساليب العرض والتقديم “الخطابة” – استراتيجيات التفاوض – مهارات الاتصال الكتابي والشفهي – معرفة الذات والثقة بالنفس – الذكاء العاطفي – كيفية اختيار وظيفة تناسب طبيعة الشخصية – أساليب لرفع الهمم والتحفيز – وغيرها.

 

فكيف من خلال التعريف السابق أن يتم افتراض أن تلك العلوم “أوهام” و “غسيل مخ”، وكيف يتم الربط بين اختلال بعض المفاهيم في أذهان بعض القائمين على التدريب وبين جوهر تلك العلوم، بل وكيف يتم الربط بين ذلك كله وبين مهام “إدارة الموارد البشرية” بداخل الشركات.

 

حيث يمكننا تعريف إدارة الموارد البشرية HR Management داخل أية منظمة كالتالي:
هي الإدارة التي تهتم بشؤون العاملين من حيث (الاختيار والتعيين – التدريب – قياس الأداء – تحديد المزايا والعطاءات – الترقية – إنهاء العمل سواء بالفصل أو الإحالة على المعاش أو غيرها من الأسباب) كما تقوم تلك الإدارة برسم سياسات العمل وتحديد الاختصاصات والسلطات لمختلف المستويات الإدارية وتحديد طرق وقنوات الاتصال وطرق تبادل التقارير بين الإدارات المختلفة، والأهم من ذلك كله أنها تقوم بتحديد القيم والسلوكيات للعمل وتستطيع إلزام العاملين بها وتقييم أدائهم بناءً على مدى الالتزام بتلك القيم والسلوكيات من عدمه.

 

نقطة 2:
يتحدث الكاتب متهكمًا عن طرق اختيار العمالة ويلخصها في المقابلة الشخصية.

 

إلا أن الدارس لهذا العلم يعرف جيدًا أن المقابلة الشخصية ما هي إلا مرحلة من مراحل الاستقطاب والتعيين للعمالة، فتوجد أيضًا مراحل أخرى يتم من خلالها “تمحيص” المتقدمين لاختيار أفضلهم وأنسبهم، على سبيل المثال: (الاختبارات الورقية – التدريب المحاكي للعمل – الاختبارات الفنية والتقنية – …) ومع تعدد طرق تمحيص واختيار العمالة لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية دور المقابلة الشخصية.

 

فالرجل مثلًا عندما يتقدم لخطبة شريكة لحياته لا بد له أن يقوم بإجراء مقابلة شخصية مع والدها أو وكيلها، ولا نستطيع أن نقول بالطبع أن هذه المقابلة يتوقف عليها كل شيء أو أنها ينتج عنها قرار نهائي.

 

وهذا هو ما يحدث بالطبع من جانب متخصصي الموارد البشرية، فهم يريدون اختيار الأفضل من بين آلاف المتقدمين للوظائف الشاغرة في شركاتهم عن طريق الاستعانة بأكثر الطرق كفاءة وفعالية وتوفيرًا لوقت العمل، كما يتم الأخذ في الاعتبار أن الإجابات على نوعيات الأسئلة التي ذكرها الكاتب في مقاله وغيرها من الأسئلة لا تعبر إجاباتها إلا عن نسبة بسيطة من حقيقة الشخص المتقدم للوظيفة ولكن هذه النسبة البسيطة أفضل من العدم عند مسؤولي الموارد البشرية، والمحترفون منهم يدركون ذلك جيدًا.

 

والدارس لعلم إدارة الموارد البشرية يعرف أن تلك الإدارة قد أحدثت تغيرًا نوعيًا في العلاقة بين أصحاب الأعمال – والعاملين بالمنشآت حيث أنه العلم “الوضعي” الأول الذي يقول بأن العامل يعتبر من أهم أصول المنشأة ويجب على المنشآت أن تهتم به وتعمل على تطويره بشكل دائم.

 

ليس معنى هذا أن كل الشركات التي تحتوي على إدارة للموارد البشرية تطبق ذلك المفهوم، وعن طريق الخبرة العملية المتواضعة بالإضافة إلى الاستقراء غير التام لبعض أنظمة الشركات المصرية والعربية يتبين لنا أن معظم أصحاب الأعمال لا يؤمنون بأهمية العنصر البشري في المنظمة وبالتالي يتم النظر إليه على أنه آلة يجب أن يتم تدويرها بشكل مجحف لاستخراج الحد الأقصى من الجهد منها مع عدم الاهتمام بتعويضها بالأجر المناسب للجهد المبذول وعدم الاهتمام بتطويرها وتنميتها، وقد يرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها:

 

1- الأنظمة الرأسمالية للدول الراعية للشركات والقوانين التي لا تراعي الجوانب النفسية للعمال.

 

2- ارتفاع مستوى البطالة في الدول الراعية للشركات مما يؤدي إلى تحكم أصحاب الأعمال بشكل أكبر في العمالة.

 

وبالتالي أصحاب الأعمال في بلادنا عندما انتابتهم الرغبة في محاكاة الغرب قاموا بإنشاء إدارات للموارد البشرية في شركاتهم ولكنهم لم يراعوا تطبيق الجوهر الأساسي الذي من أجله دعت الحاجة لإنشاء ذلك العلم والذي نتجت منه ظهور تلك الإدارة، ولا عجب في ذلك حيث أننا دائمًا نقوم بالنقل الأعمى وغير الواعي من الغرب – فضلا عن تركنا لتراثنا الثقافي والمعرفي والذي إن تمسكنا به وبحثنا بداخله لأخرجنا ما هو أروع من تلك العلوم الغربية الواردة علينا.

 

نقطة 3:
لم يقدم الكاتب حلولًا بديلة تسمح لنا أن نستمتع بحياتنا وأن توفر لنا “العيش كأناس طبيعيين يتنزهون ويذهبون إلى السينما ويمارسون أنشطتهم بحرية تامة” وفي نفس الوقت نسعى لطلب الرزق في ظل الظروف الحالية للبلاد وظروف السوق العملي – نعم أنا أوافقه الرأي في أننا يجب أن نحمل هم تغيير الواقع وعدم الاستسلام له – ولكن بجانب حمل ذلك الهم كيف يتماشى الإنسان الطبيعي منا مع متطلبات سوق العمل وجلب الرزق وخاصة حديثي التخرج ومحدودي الخبرات؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد