د. أحمد خالد توفيق، رحمه الله، متأنقًا في بدلته الكحلية

في يوم 2 أبريل (نيسان) عام 2018، فقدناك وافتقدناك، توقف القلب الذي أحبنا وأحببناه، مرت سنتان يا خالد ولم ننس، كيف ننسى وأنت الخالد، لم أستطع أن أكتب عنك قبل ذلك، ربما من أثر الصدمة، فبفقدك شعرت مرة أخرى بفقد أبي – رحمه الله – كل أولادك شعروا بذلك، وبكيناك وما زلنا نبكيك بكاء حارًّا يليق بك، يليق بحبنا لك، الزهور تغطي مقبرتك، رسائل المحبين، وعبارة «جعل الشباب يقرأون» التي تمنيت أن تكتب على قبرك، جنازة مهيبة زلزلت طنطا، وأربكت النظام؛ إذ سرقت الأنظار من مشهد الانتخابات الهزلية، التي غاب عنها الشباب تمامًا، ولم يظهروا إلا في مشهد توديعك، الذي كان صادقًا حزينًا جدًّا وذا معنى. لم تخذلنا يا خالد ولو مرة، لم تخذلنا سوى بوداعك، وهو ما لم يكن بيدك.

العالم كما تركته، وكما توقعته، وكما أخبرتنا عنه، رؤاك ورؤياك قد جعلها ربي حقًّا.
الأغنياء والمسؤولون قد شيدوا يوتوبيا كما رسمتها، من جيوب الفقراء ومن أحلامهم، يستفزوننا كل يوم بإعلانات وحداتها السكنية باهظة الثمن، يقيمون فيها الحفلات الصاخبة، بنوا فيها أكبر مسجد للديكور والتباهي بدين لا يعرفون عنه شيئًا، وبنوا كذلك أكبر كنيسة للغرض نفسه، خططوها وصمموها كما يجب أن يكون، حتى عندما غرقت الجمهورية بأمطار ثقيلة ومات الفقراء صعقًا بالكهرباء، كانت يوتوبيا جافة نظيفة كما يليق بمسؤوليها الكبراء الشرفاء، لا تقلق عليهم يا خالد، يبدو أنهم قرأوا لك بعدما رأوا كيف أحببناك، قرأوا لك ما يناسبهم ونفذوه، أرأيت كم هم عظماء ومثقفون.

توفي حسني مبارك يا خالد، وشيعوه في جنازة عسكرية فخمة، وبكاه من أفقرهم وجهَّلهم ومص دمهم، بكوه وترحموا عليه، وسألوا الله مخلصين أن يسكنه الفردوس الأعلى، لقد سامحوه ونسوا دم شهداء يناير، سامحوه – وهم لا يملكون الحق أصلًا في ذلك –  ورضوا منه بإرث الفقر والبنية التحتية المدمرة، وتركوا لورثته ثروة كبيرة من خيرات مصر كانوا هم أولى بها، ولكنك تعرف كم هم متسامحون، فكل إنسان «له ما له وعليه ما عليه»، هذه قاعدة معروفة جدًّا، تأتي دائمًا مذيلة بقاعدة «اذكروا محاسن موتاكم»، لا أعرف من أين أتى هؤلاء بهذه القواعد، وكيف طبقوها على طاغوت من طواغيت مصر، ولكنهم سيفعلون ذلك مرارًا، وسيقف التاريخ مندهشًا كالعادة من أحداث تلك البقعة من الأرض.

ونحن في استقبال ذكراك هذا العام أتانا ضيف ثقيل من عائلة كورونا المجرمة، بدأ ظهوره في الصين كالعادة، من جراء وجبة عشاء على شرف خفاش مسكين، لم يتركه ذلك الصيني يطير في أمان؛ فانتقل الفيروس إلى الإنسان،  وقلَب العالم رأسًا على عقب، وانتشر انتشارًا رهيبًا، ولكن الوضع هنا غريب ومريب، لا نعرف هل لقي الفيروس حتفه في مصر، ومات من هول ما لاقاه فيها وفي أجساد المصريين مسممًا كمدًا، كما أخبرتنا من قبل عن أخيه ميرس، أم أنه يتجول منتشيًا منتشرًا بيننا ونحن لا ندري، فأكثرنا ممتثل للعزل ولا نخرج إلا للضرورة،  ولكنه على أي حال علمنا كيف نغسل أيدينا جيدًا، ونجلس في المنزل نعمل عن بعد عبر الإنترنت، ونعد الكيك والبسكويت الذي يحضر في 10 دقائق.
العالم على وشك تغيير كبير يا خالد، وكلما جدَّت حادثة فتشنا في كلامك لنبحث عن حل أو تفسير، ودائمًا ما نجد عندك ضالتنا، نجد ما تعلمناه على يديك ماثلًا أمامنا.
وظهرت طائفة ممن يكذبون عليك يا عراب، ويأتون بكلام لم تقله وينسبونه إليك، طمعًا في الإعجابات والمشاركات الكثيرة على مواقع التواصل، ولكن كثيرًا من أبنائك المخلصين يخبرون الناس بأنك لم تقل هذا الكلام.

أحداث كثيرة وأهوال حدثت مذ تركتنا، ولكننا نسير على الدرب، كما ربيتنا.

كنت أود لو كتبت مراجعة لمؤلف من مؤلفاتك، ربما أفعل ذلك في مقالات قادمة، إن شاء الله، أردت اليوم في ذكراك فقط أن أحدثك وأتحدث عنك، طبت وطاب ثراك يا طيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد