عندما وقعت عيناي على خبر الوفاة، لم ألبث أن اكتشفت أنّ هناك دموعًا في طور التكون وفي سبيلها إلى السقوط، كأنما تهاوت جدران الحزن الثقيلة في القلب، لتسيل الدموع من خلفها وتجترّ شريطًا زمنيًّا طويلًا في صحبة الرجل وكلماته، قليلون هم من بكيت لوفاتهم، وهذا أحدهم، لم أعرفه إلا عبر كلماته، الكتابة أقصر طرق التعبير، وعبر أقصر الطرق يمكنك بوضوح تمييز الصدق من الكذب؛ لهذا أقول عرفت الرجل، لا أبطاله، كما يحدث عادة مع غيره من الكُتّاب، تجاوز الرجل كل محاولات التلوُّن التي قد يتزين بها غيره، خصوصًا من أهل الكتابة، لتكشف سطوره عن درجة عالية من اتساق الإنسان مع ذاته، مع عجزه وارتباكه وتشككه في حقيقة الأمور وحكمه على الأشياء وسخريته المريرة من كل هذا، إن قرأت سطورًا كهذه فحتمًا ستعبر مِنكَ بشكل ما، الرجل الذي ستواجهه عبر كلمات يسطر بها آراءه أو مواقفه حيال الأحداث المختلفة، لا يختلف إطلاقًا عن الرجل الذي يطلّ عليك عبر سطور رواياته بين حين وآخر، وكأنّما كان التواضع واتساق الإنسان مع حقيقته وقيمه هما الجهاد الأكبر للرجل في تلك الحياة.

حتى أبطال الرجل كانوا يُمثّلونه بشكل أو بآخر، فلا يعود مُستغربًا أن يختار الرجل بطَلَه كهلًا هزيلًا شرهًا للسجائر، عندما نفهم أنّ العجوز كان هو المؤلف نفسه ولو كان شابًّا، فما حمله قلبه من الحكمة والحكايات لم يجعل صلعة البطل العجوز ووجهه المجعّد إلا إطارًا شكليًّ فقط، وفي سلسلة أخرى يختار بطَلَه طبيبًا متخصصًا في طب المناطق الحارة، الذي هو تخصص المؤلف نفسه، فترى حرص الرجل على نقل علمه عبر السلسلة في جملة هامشية استوقفتني طويلًا في الأعداد الأولى «جميع المعلومات الواردة في تلك السلسلة صحيحة ما لم يرد غير ذلك»، حتى «عبير» بطلة فانتازيا، كنت أشعر أنها تُشير خفيةً إلى الجانب المتواضع من المؤلف -أو عن قناعاته حيال نفسه والكتابة- عبير التي نعرف عنها، كما تعترف عن نفسها، أنها شخصية معدومة المواهب إلا من قراءة الروايات ثم إعادة نسجها في أحلام، عبر جهاز خاص من اختراع زوجها المهندس، أو أن يحمل على عاتقه، بصدر رحب وبصمت، مسؤولية سلسلة لم يبدأها، «روايات عالمية للجيب» -بعد أن انصرف عنها زميله المنشغل بسلسلة «روايات وطنية»- ليقدم لنا في كبسولات موجزة ترجمات أكثر إحكامًا لأشهر الأدب العالمي.

من خلال هذا الاتساق الجميل مع الذات، لطالما شعرت أنّ كلمات الرجل لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكن تتحول من صورة لأخرى، تجتمع كلها على البساطة والحكمة في الوقت ذاته، ربما لهذا كانت لكلماته مدة صلاحية أطول من غيرها، لتظلّ القيمة التي كان يقدّمها ماكثة كحقيقة، وكأنما فطن الرجل إلى أنّ إدراك الحقيقة يستوجب تواضع الإنسان لها أولًا، قد أدّعي أن الرجل كان رسولًا للتواضع فعلًا، لا أقصد تمسكّه به، لكن في حرصه على ترويجه لقُرّائه عبر هوايته الفريدة في تكسير التابوهات والأصنام، ليستوقف الإنسان طيلة الوقت أمام مراجعته لنفسه ولحقيقته، حتى نفسُه لم تسلَم من تلك المراجعات العلنية، التي امتدت لتنال من أمر الكتابة نفسه، لنجده يكسر تابوه الكتابة في أكثر من مناسبة، ليس أولها شخصية الأديب في رواية «السنجة» ولا آخرها اعترافاته عن الكتابة في «اللغز وراء السطو».

شخصيًّا، بدأت أقرأ للرجل، في الثانية عشرة وهو اختيار يخرج بك، كما يعرف أبناء جيلي، عن المناطق الآمنة المعتادة للقراءة، تشعر ببعض الغربة، التي لا تلبث أن تألفها، قبل أن تؤلّفك على من يشاركونك التساؤلات نفسها، أسهمت كتاباته بطَرْق الأفكار في رأسي، تستفز سطوره التساؤلات بأكثر مما تلقيه إليك من إجابات، كانت كتابته مختلفة عما اعتدته مما تجعل غايتها إمتاع القارئ وإتحافه لغويًّا أو قصصيًّا، هنا الغاية هي استفزاز التفكير والتساؤل عند القارئ، وكأنما كان لسان حال الرجل عبر كتاباته «ليس هذا مكان مَن يبحث عن المتعة ولا أبيعها، فإن وجدتها في سطوري فهذه مسألتك وعليك أن تتحملها وحدك»، ولو كان يقامر في هذا بشهرة أو بمكاسب تجارية، كما تعرف الأعداد القليلة من الناس التي كانت تقرأ له في بداياته، أما عن مساحة احتكاكي بالرجل، فقد قمت بمراسلته مرتين، توجّست فيهما ألّا يردّ مِن بين زخم الحياة والانشغالات، لكن كان العكس تمامًا هو الصحيح، أولهما، منذ 14 عامًا، في مقترح لتحويل إحدى أساطير ما وراء الطبيعة إلى فيلم، عسى أن يُفيق أهل تلك المنطقة مما هم فيه، والثانية منذ ستة أعوام، كي أسأله رأيه في قصة كتبتها، يردّ في الأولى مُرحبًا بالمُقتَرَح ومُنوّهًا عن مصاعب الإنتاج والتمويل وأشياء من هذا القبيل، ويردّ في الثانية بحفاوة وكأننا صديقان لم يتقابلا منذ ثمانية أعوام، مع الكثير من التشجيع والتوجيه.

رحم الله الرجل الطيب الذي أحسبه صدَق بتحرّي الصدق في كلماته وسطوره ومواقفه، رحم الله الرجل الطيب الذي لم أشعر يومًا أنّه ممن حسب أنهم يحسنون صنعًا، ولا أزكّيه في ذلك على الله، يُتَوفّى الرجل الطيب وترحل روحه في خِفّة تماثل صاحبها وكلماته، فلا يبقى من أثرِه إلا سطور، ودعوات بالرحمة مِن كلّ مَن عرفوه عبْرَها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد