رحلت دون وداع لنا، دون أن نجلس معك ونسمع منك وقائع آخر أعمالك، ونتحدث عن كيفية كتابتك كل هذا الإنتاج الرائع، مستندًا إلى 56 عامًا عشت أغلبها في قلوبنا نحن، ما أزال أتذكر كم من البشر عرفتهم إثر ندواتك، وكم من ليالٍ سهرتُ فيها أقرأ الجمل التي كُنت تطهوها لنا، كيف أُنعيك يا دكتور!

لقد كُنت مثل بطلك -على حد قولك- أخرق ولست خارقًا، وهكذا كُنت ترى نفسك، نقلًا من بعض الأسطر التي كُتبت في بعض المقالات التي كُنت تسخر فيها من الحياة ومن نفسك من ضمن الأشياء الحية، ولكن بالرغم من ذلك لم نرك سوى خارق وقادر، كُنت تستطيع أن تصبح أصغرنا قلبًا في ما ترويه علينا نحن -شباب ومراهقين يقرؤون لك- في أحاديثك.

روحك كانت تصغر عامًا فعامًا، هذا ما أراه في كل عام حينما أذهب إلى الندوات التي تصادف وجودنا في القاهرة في الوقت ذاته، كُنت أراك تنشر روحًا مرحة تخطف من قلوبنا جميعًا رهبة لقائك، كُنت ولا أنكر أخشى كثيرًا الدخول في حديث مع الكاتب الذي أحبه، ولكنني تعلمتُ منك ومن مناقشتك بالأخص أن الكاتب الذي يحبه القارئ، هو الكاتب الذي ينزع بينه وبين القارئ الرهبة، وبالرغم من أنك كُنت بارعًا في ذلك، ولكن ما تزال لدي تلك الرهبة!

لدي رهبة فقد أدبك من ذاكرتي، كثيرًا ما أعيد مقالًا لك حتى لا أنساه، أستخرجه من الصفحات إلى ذاكرتي مختصرًا، بل إني أطوع الأحاديث من أجل أن أُلقي أسطرك مثالًا، كانت الرهبة عندي تزداد حينما بلغتُ هذا الموضع، موضع الكاتب جعلني أتأملك أكثر فأكثر، أنت الأب المطلق لكل هؤلاء، أنت الذي أخذت بأيديهم ورويت لهم رفعت إسماعيل، بل خيالنا ظن أنك رفعت إسماعيل في الخفاء، وأن تلك الأعمال كلها ليست إلا مذكراتك!

كيف أكتب نعي إنسان بهذا الحجم، وكيف أواجه هذا الجيل! كيف أقف وأقول لمن أوصيت لهم بأن يقرؤوا لك إنك رحلت، أفتش عنك دائمًا في أرفف مكتبتي فأطمئن، لديك في مساحتي الميسورة ما يتخطى 200 كتاب، حظيت بتوقيعك على أغلبها، وناقشت أكثرها معك، كتبتُ طوال ثماني سنوات عن كثير منها، تأثرتُ بأغلبها، وساندني الكثير منها في حياتي، كيف أقف وأعلنها!

كيف للمرء أن يقول لهذا الشباب المحاصر في اليأس إن العراب يرحل، لم نكن ذوي قوام أو عزم لكي نقبل برحيل جلال عامر من قبلك، ما زلت أعاني سبع سنوات على رحيل عم جلال، ما زلت أعيد قراءة كل ما كتب لكي أستمر في الحياة، ما زالت العلاقة بيني وبين كل كاتب قرأت له تتمنى أن يصبح خالدًا، كي ترشدني السطور من يديه إلى سبيل ما، سبيل يجعلني أقبل الحياة.

إن ما أستطيع تأكيده، والجدال فيه طوال عمري، بل أن أطوع كل ما قد يأتي في السنوات المُقبلة لكي أقوم بتأكيده سطرًا سطرًا، أنك الذي شرعت لهذا الجيل بأن هناك جانبًا آخر من الرعب والميتافيزيقا غير الجان والأرواح، بل قلت إن هناك أبطالًا لا يطيرون، أبطالًا يفكرون لكي ينجو من مهالك الحياة، لقد جعلت منا أبطالًا دون زي ما أو منصب! بل كُنا أبطالًا لأننا ننجو مثل بطلك، بمطاح الحياة لا التكاليف!

إنك من أطلقت خيالنا تجاه الآخر الذي لم يقترحه أحد، كُنا صغارًا نسمع حكاياتك وتربينا على يديك، كانت اللغة لديك أمرًا عرضيًا، أمرًا يتعرض له الكاتب مرة رغمًا عنه مثل الجدري المائي، لم نر في كتاباتك ما هو لغوي يصعب فهمه، وما هو دنيء رقيق لا يمكن قبوله، كُنت معتدلًا وبسيطًا حتى إنني لم أعان منذ بدايتي معك، منذ أن كُنت ابن ستة أعوام فقط! أقرأ ما وراء الطبيعة لكي تتحسن قراءتي للغة العربية.

إنك من أطلقت خيالنا حتى أصبحنا نتعاطى تلك الروايات، نعيدها مثل المدمن لجرعة المخدر، كُنا نحاول أن نتمسك بشيء من واجبات عمرنا الطبيعي، وكان ذلك الشيء توفره تلك السطور، كُنا نقرأ سطورك حتى نكون حالمين، حتى نعبر من خناق المجتمع العربي، حتى لا نرى الكبت يأكل صحتنا رغمًا عنا، حتى نجد شيئًا مما نفقده من الزعيم والرئيس والوزير والمحافظ ورئيس مجلس الشعب، كيف أنعيك!

إن أكثر ما تعلق باسمك في بالي الآن نحنُ بلا أسماء وبلا أشخاص معنيين، نحنُ بصفة وجودك، نحن من هم كل البشر سواك، نحنُ من يمكنهم أن يحضروا ندوة أحمد خالد توفيق، بل نحن الذين يمكنهم أن يقرؤوا كتابك الأخير وكتابك الأول، نحن هؤلاء الذين يسهرون على قراءة ما تكتبه، كيف نعيش!

غدًا -بتاريخ كتابة هذا النعي الركيك- يوم 3 أبريل (نيسان) لعام 2018، سأصحو في بلد بلا حرية، سأكون مواطنًا بلا كرامة، أخرق ولستُ خارقًا، لن يحترمني أحد من الذباب حتى رئيس الدولة، سأكون ابن 18 عامًا، و11 شهرًا، و12 يومًا، ولكنني رغمًا عن ذلك سأُبدي رغبتي في الموت.

حينما أبلغ الجامعة، سيكون من حولي بشر كثيرون، لا أحد فيهم قد يجد في هيئتي وما تحمل يدي شيئًا لكي يحترمني من أجله، وفي الأغلب لن يجد شخص ما سببًا لكي يعتقد أنني إنسان عادي، يتنفس ويشرب ويأكل ويشتهي توافه الأمور، سيراني يا دكتور الجميع من حولي أخرق، نعم سيرونني مثل بطلك تمامًا، وحينما تلمس يداي ورق الكتب بالأخص، سيرى الجميع منهم أني غريب الأطوار!

سأسير في الخفاء، ويتسرب لي ركضًا المصائب تباعًا، يسألونني أسئلة لا قيمة لها، فقط لكي يسخروا مني، لماذا لا يسخرون مني؟ أقرأ كتبًا يا عزيزي الراحل، أنا رجل يود أن يعرف كثيرًا، رجل له عوينات رقيقة وشعر غير مصفف، رجل بلا كرامة ولكن لديه معرفة لن تنفعه على أي حال، حينما يشعرون أن يأسي من الحياة لا يبعث فيهم سوى الملل، سيرحلون وهم يحاولون أن يستفزوني لآخر مرة.

تعلم يا دكتور ما الذي سيكون عبئًا عليّ فوق كل تلك المهانة التي يعانيها كل قارئ في هذا الجيل، أنه فقدك، أنني يومًا ما مهدد بأنني سأكون قرأت لك كل حرف ممكن، في ذاك اليوم بالتحديد، في تلك اللحظة، ربما أشعر بإهانة شخص عابر، إذ إنني أُهان كل يوم، ربما أشعر في أي لحظة بأن الشرق يرفضني أكثر، إذ إنني شاب والنظام يا دكتور يكره وجودي، برحيلك، لن أجد شيئًا أستند عليه أمام كل هؤلاء الأعداء.

رحمك الله يا دكتور أحمد خالد توفيق، يا أبي الذي علمني كيف أعيش في سلام، يا سندي قد رحلت مع أمثالك السابقين، كُنت أحد فرسان الكلمة، مثلك مثل أحمد فؤاد نجم وجلال عامر وعبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل ومحمود درويش ورضوى عاشور وفدوى طوقان وعلاء الديب، رحمك الله بحق ما نعاني كل لحظة، ورحمك الله بحق ما كُنت تشفيه من قلوبنا، إننا فقراء أكثر من هذه اللحظة، ونبحث عما ينقذنا في هذا الضياع، حتى الكلام لا يتزن ولا يتوقف، إن كل ما كتبته هنا نحيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد