بعد أيام من رحيل الكاتب الروائي المصري المتواضع -أخلاقيًا- والمحبوب د.أحمد خالد توفيق عن عالمنا، والذي أطلق عليه قراؤه لقبًا لطالما أخافه هو شخصيًا باعترافه: «العراب»، وكان دائمًا ما يصرح بأن تلك مسؤولية كبيرة على عاتق قلمه، جاء قضاء الله بمثابة حجر ثقيل هوى إلى قلب المياه الراكدة فحرك الكثير من شوائبها؛ وكنت واحدًا من قرائه والمعجبين بقلمه «المختلف» عن السائد وتابعت مثلما تابع الكثير من القراء موجات نعيه ورثائه التي تصدرت مشهد التواصل الاجتماعي وامتلات تحديثات حوائط الكُل بكثير مما أطلق عليه البعض «صخبًا» لا مبرر له، وقامت الكثير من السجالات والشجارات الإلكترونية بين أتباع ومحبي الدكتور وبين آخرين ببساطة لا يحبونه أو يرونه مجرد كاتب عادي لا أكثر ولا أقل، وهنا ضج الكل بغضب هائل، وانهالت التعليقات الغاضبة في كل مكان على أولئك الذين «يسخرون من الموت» أو «يبالغون في تعظيم الرجل».

 وقتها تخيلت هذا الرجل البسيط حقًا والمتواضع الخجول وهو يشيح بوجهه عن تلك المهاترات من حوله وهو يهز رأسه في سخرية وأسف، وأذكر في عدة لقاءات له من بينها آخر لقاء له مع الكاتب والصحفي المصري «عمر طاهر» في برنامجه عن مهنة الكتابة في مصر، وهو يقول بكل خجل وتواضع وفي لحظة نقية نادرًا ما تتكرر «أصل أنا ليا مدروشين» وفي قول آخر «وسموني العراب ..أصل العراب دي حاجة كبيرة أوي ومش فاهمها» و«مرات أكتب حاجة يعني عادية وألاقيهم رافعينها للسما»…تلك لحظات لم تأت من التواضع، بل أتت من أعماق رجل بسيط لم يدع أبدًا العبقرية.

ولكن عندما لمح الكثير من «دراويش» الدكتور أحمد رحمه الله بعض أولئك الساخرين من المبالغة في الحزن عليه – أحدهم كتب منشورًا ساخرًا تعليقًا على ادعاء أن كتابات الدكتور غيرت حياتهم مزحة: مرة واحد قرا روايات مصرية للجيب غيرت حياته تن ترارا تن تن- دخل الكثير من محبي الدكتور وانهالوا عليه تقريعًا وتوبيخًا واتهامه بإهانة الرجل وعدم احترام مشاعر الحزن وحرمة الموتى، وعلى جانب آخر ارتفعت أصوات من الوسط الثقافي الشبابي الذين يمثلون الموجة التحررية العلمانية بهجوم مضاد يتهمون فيها أولئك الشباب بالهمجية والإرهاب الفكري و«البلطجة» ومحاولة إجبار كل «رأي شخصي» على قوالب ثوابت «ذكر محاسن الموتى» الدينية خاصتهم.

 بل وتحول الأمر من نقاشات إلى مشاجرات إلكترونية غريبة الطابع بين ما وصفه البعض بأنه «هجمة لها طابع ديني إسلامي» على «تبجح وبرود علمانيين تقدميين لا يحترمون مشاعر الآخرين»!، ولكنها شائعة في تلك الأوقات التي لا يجد فيها أحد من الشباب الذي يفكّر عامة سوى لوحة مفاتيح ومساحة إلكترونية للتعبير عن نفسه بأي طريقة ووجدت الكثير من الأشخاص يصرون على ربط مواقف الدكتور السياسية بمدى حب القراء له –الرجل احتجب عن الكتابة اعتراضًا على عدم محاسبة المتسببين في مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية مثله مثل أي انسان يفكر دون تحيز رغم أنه لم يكن ممن يتبعون أي تيار إسلامي بل ذكر من قبل إعجابه بالفكر الاشتراكي وحبه لكتابات ماسكيم جوركي بجوار كرهه الواضح لدولة إسرائيل-، وبالطبع وجدت نفسي أنسحب بضيق من محيط هذا النزاع الغريب الذي يحاول أطرافه فقط إثبات صحة وجهة نظرهم.

ولعلي آثرت أن أكتب ما في داخلي في مساحتي المسموح لي بها على منصتي المفضلة «ساسة بوست» لأنني وبكل أمانة لا أرغب في خوض أي نقاش يدور حول الرجل الذي نعيته وكانت وفاته صدمة لي مثلي مثل ملايين من قرائه –لأسباب شخصية أكثر منها معرفية-، وأود فقط أن أقول ما يمليه علي نداء داخلي يلح على ذهني بشدة.

بالطبع لم تكن كتابات الدكتور أحمد خالد توفيق هي الدُرر الأدبية الرفيعة –رغم أن الكثيرين يرون عكس ذلك-، ولم يكن الرجل أبدًا واحدًا من الذين يحبّون ادعاء ذلك، ولكن لكل من يرى هذا –وهذا حق للجميع دون أي رياء- تساؤل واحد أرجو أن يفكروا فيه قبل أي شيء – وأنا أعلم أن الكثير من الناس لا يختلف على نسب فضل ولو بسيط للرجل الذي عوّد الشباب على الإمساك بالكتاب بدلًا من أشياء تجميع ملصقات الحلوى ومشاهدة برنامج الأطفال الكابوسي «البرلمان الصغير»- وهو ببساطة: هل تعتقد أن العقليات كلها أو معدل متوسطها يجب أن يتوافق أو يتساوى؟ هل ترى أن الذين يرون الدكتور هو «أديب» وعراب الأدباء الشباب لا بد أن يكونو على المستوى ذاته من عمقك الفكري الخاص وقراءاتك الخاصة وآراءك الخاصة؟ بديهيًا الإجابة لا؛ وبما أن الإجابة لا أليس رد فعلك هو بمثابة كونه «تعاليًا فكريًا» وسخرية من الآخر الذي ربما قد يكون ما كتبة د. أحمد خالد بالنسبة له هو متعة وعرفة وكل ما يطمح إليه شاب صغير من السواد الأعظم أو ما قد تسميه أنت average mentality؟

 بالطبع لا أنكر عليك حقك في إبداء رأيك، ولكن أليس «كيف تعبر عن رأيك دون إيذاء المشاعر» هي لعبة مفصلية عانينا فيها حتى النخاع ولا زلنا نعاني معها؛ بداية من «الرسوم المسيئة للإسلام» حتى «قمع الجميع بلا استثناء» في وطن تزحف الفاشية تحت فراشه في جشع، وكذلك التساؤل على الجانب الآخر من الأمور، ألا تعتقد يا سيدي أو آنستي أنه من الطبيعي ألا يوافقك الآخر في الرأي؟ أليس من الطبيعي أن تجد من يرى تأبينك الشديد الحزن للكاتب الراحل ومدى انكسار قلبك جراء رحيله هو «تمجيد مبالغ فيه لرجل عادي؟» أو ليس من حق الآخر أن يقول لك عذرًا أنا أرى الرجل مجرد كاتب عادي وكفى بكاءً ونحيبًا و«تأليهًا» للرموز؟

إذن الأمر ليس له علاقة بتأثرك بالكاتب الراحل ومدى المبالغة في الحزن عليه وتذكر مواقفه السياسية التي يهاجمها البعض ويمدحها البعض الآخر؛ الأمر إذن هو «قشة» تسند ظهر بعير ناء به الحمل، الأمر مثل خُراج محتقن ينتظر لمسة ولو بسيطة لينفجر، ذريعة غير موفقة لرفع الأيادي والصراخ في أحدنا الآخر تفريغًا لاحتقانات أعمق بالأصل، لست هنا لأدافع عن الدكتور رحمه الله أو حتى أهاجم محبيه أو منتقديه، أنا فقط أريد أن أقول رأيي الخاص الذي لا يؤخر ولا يقدم، وأذكّر الجميع -إن جاز لي أن أعتقد أنه من حقي- بأنه فقط: الأمور نسبية.. والموت أمر جلل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد