وداعا أيها الغريب، كانت إقامتك قصيرة لكنها كانت رائعة، عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها، وداعًا أيها الغريب، كانت زياراتك رقصة من رقصات الظل، قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس، لحنًا سمعناه لثوان من الدغل ثم هززنا رؤوسنا وقلنا إننا توهمناه، وداعًا أيها الغريب، لكن كل شيء ينتهي.

كلمات كتبها يومًا وبالتاكيد لم يكن يعلم أنها ستكون الكلمات التي سيرددها الجميع عند وفاته والتي معها سيعرف العالم معرفته على حق كما هو الحال لكثير من العظماء الذين لا يعرف العالم بفضلهم إلا بعد مغادرتهم.

اليوم لا أنتظر من أحد قراءه لهذا المقال، كل ما أريده هو أن أقدم شيئًا بسيطًا لا يذكر للرجل الذي علمني كيف أقرأ، وكيف أرى العالم بل كيف أفكر.

مات جزء ثمين من روحي، ولا أظنه سيعود يومًا.

إنه الرجل الذي إما ألا تعرفه على الإطلاق أو الرجل الذي تعرفه بجنون. فلن تجد شابًا عربيًا ذا ثقافة ومطلعًا لم يقرأ قصصه فقد كانت سلسة ما وراء الطبيعه يمر عليها كل من تعلم يومًا أن يقرأ في الأدب والروايات، رجل أعاد للشباب حب القراءة والكتابة.

اليوم أكتب عن عراب الأدب الحديث ورائد فن روايات الرعب العربية وصاحب القلم الذهبية الدكتور أحمد خالد توفيق.

قدم لنا أحمد خالد توفيق سلسلة ما وراء الطبيعة وبطلها طبيب أمراض الدم المتقاعد رفعت إسماعيل البطل غير النمطي وغير التقليدي ليكسر بها الصوره المعروفه للبطل الوسيم القادر على القتال والمغامرات فالبطل هنا معتل الصحة طاعن في السن يشبه عصا المكنسة الصلعاء كما وصفه المؤلف كثيرًا ورغم ذلك مَلك قلوب القراء بعقله وذكائه الذي ساعده كثيرًا في محاربة مصاصي الدماء والمخلوقات المخيفة.

قدم أحمد خالد توفيق ثمانين رواية ضمن سلسله ما وراء الطبيعة حتى إنه عندما قام بإنهاء السلسلة في العدد 80 بوفاة بطل العمل رفعت إسماعيل توسل إليه القراء بألا يفعل ذلك ولكنه كان دائما يقول بأن لكل شيء نهاية.

ورغم ذلك قدم العراب أكثر من سلسلة نالت نجاحًا مماثلًا لما وراء الطبيعة منها سلسلة فانتازيا والتي تدور في مخيلة عبير عبد الرحمن الفتاة الرقيقة الهشة الحالمة والتي قرأت كمًا من القصص والروايات والتي يصعب على الشخص العادي قراءتها والتي تتيح لها الفرصة أن تسبح في أحلامها وتقابل أبطال كل الروايات التي قرأتها ونعيش معها حكايات مثيرة.

وأيضا قدم سلسلة سفاري وهي السلسلة التي نقترب بها أكثر من أحمد خالد توفيق الطبيب، فبطلها هو الدكتور علاء عبد العظيم الطبيب المصري المنتدب وسط أدغال الكاميرون حيث يعمل في وحدة سفاري وهي منظمة طبية، وفي هذه الروايات نقرأ مذكرات الدكتور علاء حيث سنلقى الفيروسات القاتلة والسحرة المجانين وأكلة لحوم البشر وسارقي الأعضاء البشرية والعلماء المخابيل، ونلقى محاولات طبيبنا الشاب كي يظل حيًا ويظل طبيبًا.

كما عمل أيضا مترجمًا لسلسلة روايات عالمية للجيب مع المؤسسة العربية والتي كان الدكتور نبيل فاروق هو أول من بدأها ولكن من العدد السابع تولى العراب مسؤوليتها وقدم من خلالها لعدد ضخم من الأعمال والروايات العالمية.

ورغم كل ذلك ظل أحمد خالد توفيق في نظر النقاد والأدباء من مقدمي أدب التسلية فقد كانوا يرون أن نوعية الروايات التي يكتبها هي للترفيه فقط ولا ترقي لأن تكون أدبًا حقيقيًا.

إلا أنه بعد ذلك قدم مجموعة من الروايات ذات الحجم الكبير إلا أنه لم يبعد عن أسلوبه المحبب من قبل القراء من أبرزها قوس قزح، الآن نفتح الصندوق، في ممر الفئران، وآخر رواياته التي صدرت هي رواية شآبيب، أما أهم رواياته على الإطلاق فقد كانت رواية يوتوبيا وهي رواية سوداوية تتوقع مستقبلًا أسود حالكًا لمصر بعد أن بدأت الطبقة الغنية وذوو السلطة بالانعزال التدريجي عن الفقراء فقد سكنوا في مدن ومناطق ذات أسوار عالية تعزلهم عن الفقراء وقد حققت نجاحًا كبيرًا.

يعتبر أحمد خالد توفيق من القلائل الذين برعوا في كتابة روايات الخيال العلمي وقصص الرعب، اتسمت من خلالها كتاباته بسهوله السرد فكان يرى أن الكتابة لا يجب أن تعذب القارئ أو تشعره بالهزيمة أو الفشل.

استطاع العراب في رواياته أن يمزج ما بين الطب والأدب فبجانب متعة كتاباته وجد فيها الشباب والقراء المعلومات المختلفة المثيرة المبنية على سبب علمي أو طبي وكان أكثر ما يسعد العراب كما قال في آخر حواراته عندما يجيب أحد الشباب على بعض الأسئلة العلمية التي اكتسبها من كتاباته.

يقول الدكتور أحمد خالد توفيق عن نفسه: لا أعتقد أن هناك الكثيرين يريدون معرفة شيء عن المؤلف فأنا أعتبر نفسي بلا أي تواضع شخصا مملا إلى حد يثير الغيظ، بالتأكيد لم أشارك في اغتيال اللين كولين، ولم أضع خطة هزيمة المغول في عين جالوت، لا أحتفظ بجثة في القبو أحاول تحريكها بالقوة الذهنية، ولم ألتهم طفلًا منذ زمن بعيد، ولطالما تساءلت عن تلك المعجزة التي تجعل إنسانًا ما يشعر بالفخر أو الغرور.

تنبأ العراب بموته في روايته قهوة باليورانيوم فقال: اليوم كان من الوارد جدًا أن يكون موعد دفني هو الأحد 3 أبريل (نيسان) بعد صلاه الظهر. إذا كان هذا هو الموت فقد بدا لي بسيطًا ومختصرًا وسريعًا، بهذه البساطه أنت هنا، أنت لم تعد هنا، والأقرب أنني لم أر شيئًا من تجربه الدنو من الموت التي كتبت عنها مرارًا وتكرارًا، تذكرت مقولة ساخرة قديمة هي أن عزاءك الوحيد إذا مت بعد الخامسة والأربعين هو أنك لم تمت شابًا.

وخير ختام عن أحمد خالد توفيق عندما سئل عن الموت فقال: أنا أخشى الموت كثيرًا فلست من المدعين من الفخر الطفولي مرددين أنا لا أهاب الموت، كيف لا أهاب الموت وأنا غير مستعد لمواجهة خالقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد