كما فعل مع الملايين من أبناء جيلي، علمني أحمد خالد توفيق أن أحب القراءة. أسلوبه السهل الممتنع الشائق الساخر الدسم في الوقت ذاته يجعلني أتعامل مع نصوصه حتى اليوم بطريقة مختلفة، كتاباته تتسرب إلى روحك بسلاسة، ولا تُقرأ فقط.
كنت طفلة ومراهقة منطوية نحيلة أصرف مصروفي كاملًا على القصص والمجلات، كنت أضعها تحت الأسرة وفوق الدواليب، وأتباهى بعرضهم أمام أقراني، وأحملهم في شنط المدرسة، وقتها صنع لي أبي مكتبة «عمولة» فرحت بها جدًّا لأضع فيها كنوزي هذه، ما زالت تلك المكتبة منتصبة بمفردها خاوية في القاهرة بعدما رحلت.

كنت أقرأ ما يكتبه أحمد خالد توفيق سنوات بنهم واستمتاع، يتشرب عقلي كل شيء كإسفنجة، كانت جدتي تراني وأنا أحمل كنزي الأسبوعي والشهري الذي كنت أبتاعه من صديق خالي صاحب كشك الجرائد، وتهز رأسها في أسى، اقترحت عليّ مرات عديدة أن أشتري «نصف فرخة من عنتر»، أو «سندوتش ينفعني» بدلًا من تضييع مصروفي على هذه التفاهات، لكن كان هذا عالمي البديل، الأصدقاء الذين لم أجدهم في طفولتي وصباي، المربون الذين عاشوا وأطلوا عليّ من بين صفحات الكتب، الأبطال الذين يشبهونني بشدة أو الذين أصبحت أشبههم لاحقًا، كانت هناك كل الدول التي وددت أن أزورها، وكل المهن التي وددت أن أمتهنها.

في عصر ما قبل الإنترنت الذهبي كنت أبحث عن الأكشاك إذا سافرنا إلى الإسكندرية لأرى الإصدارات الجديدة، كذلك إذا ذهبنا مع خالتي إلى النوادي الاجتماعية في القاهرة التي كان بها مكتبات، أتذكر فرحة الحصول على أكبر كم من الأعداد الجديدة في معرض الكتاب، وفرحة الندوات الثقافية التي حضر فيها الدكتور وغيره من الكتّاب الأسطوريين، وفرحة رؤية من يحبون هذه الأشياء مثلي، أتذكر كذلك الرحلة إلى المركز الرئيسي للمؤسسة العربية الحديثة مع خالتي، وشراء شنطة سفر كبيرة من كل الأعداد القديمة.

ألهمني أحمد خالد توفيق أن أبدأ رحلتي مع الكتابة. بدأت مدوناتي عندما ظهر ووردبريس وبلوجر، وقتها لم أكن أكتب فعليًّا، كنت أقلده وأستعير أفكاره وأسلوبه دون تفكير، وهذه مرحلة أساسية في كل من قرروا الكتابة بعد أن قرؤوا لأحمد خالد توفيق.

ألهمني أحمد خالد توفيق بقراءة الأدب باللغة الإنجليزية، وبالترجمة الفكرية للتواصل مع الآخر، عرفني على إدجار آلان بو وجورج أورويل وهربرت جورج ويلز وأوسكار وايلد ولاف كرافت، لقد كانت ترجماته العربية رائعة لا تصدق أنها كتبت بلغة أخرى، وعندما ظهر الإنترنت وأنا في الثانوية العامة بدأت البحث عن كل المفردات الإنجليزية التي وردت في كل كتيب قرأته له، كنت أبحر لساعات وأيام في صفحات بالإنجليزية، واستعين بالقواميس، بعدها بسنوات أدركت أنني كنت أتعلم الإنجليزية تلقائيًّا بسببه.

ألهمني أحمد خالد توفيق بالتعرف إلى الآخر المختلف الإنسان، وألهمني حب هذا الآخر المختلف الإنسان، علمني أحمد خالد توفيق عدم تأليه الغربي؛ بل وانتقاد الغربي والسخرية منه، ألهمني الوقوع في حب الغربي أحيانًا، والزواج منه كما فعلت في الواقع. لقد أصبحت -دون أن أدري– رفعت إسماعيل وعلاء عبد العظيم والكثير من الشخصيات التي خلقها أحمد خالد توفيق، وارتبطت وتعاملت مع الغربي عن قرب ليس مألوفًا.

ألهمني أحمد خالد توفيق كذلك بحب السفر والترحال، كل ما علمته عن بريطانيا والولايات المتحدة -وقد كانا حاضرين بشدة في سلسلة ما وراء الطبيعة- كان من كتاباته ووجهة نظره الثاقبة في هاتين الإمبراطوريتين، لقد اندهشت كثيرًا عندما سافرت إليهما بالفعل وكنت أشعر أنني لا أفعل ذلك للمرة الأولى، لقد بدا كل شيء مألوفًا بصورة مريبة، كنت أتفقد ما علمني أبي الروحي وأرى ما أخبرني به ماثلًا أمامي، لذلك لم تبد لي إنجلترا ولا أسكتلندا ولا الولايات المتحدة أراضي جديدة، لقد كنت هنا من قبل في حياة أخرى مع عمي وصديقي الكهل رفعت إسماعيل، حتى إنني قابلت الأمريكان السخفاء والبريطانيين شديدي التأنق أنفسهم الذين قابلهم وحكى لنا عنهم.

رغم أنني رأيته مرة واحدة فقط عن بعد منذ تسع سنوات في معرض القاهرة للكتاب، وأنني لم أسمعه يتكلم قبلها، إلا أن أحمد خالد توفيق قد ساهم في تكوين أفكاري ومفرداتي وخبراتي واختياراتي ونسجها بصورة لم يفعلها غيره من قريب أو بعيد.

لقد تغيرت حياتي حرفيًّا على يد هذا الرجل العظيم إلى الأبد. وهأنذا أبكيه بمفردي في بقعة نائية في النصف الآخر من الكرة الأرضية، في الولايات المتحدة، أرض لم يحبها ولم أحبها، وأشعر أن كل ما أنتمي له يتفكك وينهار حتى لغتي العربية نفسها التي أحاول جاهدة أن أرثيه بها أصبحت شديدة الركاكة.

منذ شهرين أرسلت لي أمي مع صديقة لها أعدادًا ثلاثة من مجموعتي الكبيرة من روايات أحمد خالد توفيق التي كنت شديدة الارتباط بها، وتركتها خلفي مضطرة عند الرحيل، فرحت بشدة كطفلة صغيرة، فهذه الكتيبات الصغيرة تمثل أجزاءً شديدة الأهمية من أنا السابقة التي ذابت مع الجليد والحنين والفقدان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد