تأتي إلى الشخص بعض اللحظات التي يشعر فيها باقتراب الأجل، باقتراب اليقين «الموت»، فيكتب وصية لأبنائه تحوي كل ما يملكه، وكيف تقسم، وهكذا، ويوصيهم بما يريد ويحتاج بعد وفاته، ليطمئن قلبه للموت، والحق أننا لو نظرنا في الأمر بإمعان وتفصيل، سنجد أن كثيرًا من الوصايا التي كتبها موصيها وأصحابها قد اجتازوا حاجز الأبوة منه لأبنائه فقط إلى عالم يجمع كل الأبناء، فتأتي قراءة الوصية بوصفها مجموعة من نصائح للأبناء أجمع، فذلك ما نقرأه في وصية «ذي الإصبع العدواني» في أدبنا العربي الزاخر منه لابنه، أو وصية «الأم لابنتها» في الأدب العربي النسائي، وفي دستور أمتنا «القرآن الكريم» نجد وصية «الحكيم لقمان» لابنه حينما كان يعظه، وهكذا.

أحمد مكي فنان برتبة أب

ومن هنا أقول إن الأب لا بد أن يتحدث إلى ابنه في يوم من الأيام ليشعره بالأبوة وحنانها، نعم، يشعره بها أيًّا كان هذا الأب كاتبًا، أو سينمائيًّا، أو ممثلًا، أو فنانًا، أو طبيبًا، أو مهندسًا، أو رجلًا، أو أي عامل، أو أي إنسان آخر؛ فالكل متساو في ذاك الأمر، وذلك ما أحدثكم عنه في مقالي هذا اليوم، أحدثكم فيه عن فنان ينتابه هذا الشعور الأبوي الخالص، أقصد بذلك الفنان أحمد مكي، ذلك الذي جلس في يوم منفردًا بنفسه يكتب كلمات من ذهب، كلمات ثمنها غال؛ فهي أغلى من الياقوت، تلك الكلمات التي كون بها أغنية بسيطة تحمل رسالة كبيرة جدًّا، وعظيمة جدًّا، تلك الأغنية، أو بمعنى آخر في الفن «الفيديو كليب» الذي يبرز رسائل ومواعظ كثيرة للأبناء، والتي تظهر في منتصف الأغنية، ثم نسمع له مندمجين مبهورين حال كل أب عندما يصفي ذهنه وينظر إلى ابنه وهو يحتضنه ويفكر في كونه سيقف بجانبه عندما يكون هرمًا عجوزًا لا حول له ولا قوة، ثم تنتهي بالوصية التي يقولها كل أب وكل محتضر قد أتاه اليقين «الموت»، وهي أن يقف الابن بجانب والده عند وفاته، ذلك الأمر الذي جعلني أقول عن «مكي» إنه فنان برتبة أب، نعم، هذا تقييمه بالنسبة لشخصي، ذلك الشخص الذي سمع الأغنية «الفيديو كليب» أكثر من 20 مرة! نعم، وربما أكثر، مرة منها كانت الأولى لأسمعها كأمر عادي، ومرات أخرى عندما استوقفتني تلك الكلمات المعبرة التي شبهتها -كما قلت في مطلع مقالي هذا- بوصية «الحكيم لقمان»، ووصية «ذي الإصبع العدواني»، ولكن لتطور المكان والزمان واختلافهما يقدمها «مكي» على طريقته الخاصة من فن وهكذا، وتعاملت في مرة من المرات التي سمعت فيها الأغنية «الفيديو كليب» معها – مع الكلمات- وكأنها قصيدة أو «نشيد» أدبي موعظي يعظ فيه من يعظ وهكذا، لذلك أود نقد الأغنية «الفيديو كليب» بمحورين مهمين، أولهما كما لو كانت أغنية فنية تمامًا «فيديو كليب»، وثانيهما نقدي البسيط للأغنية من حيث كلامها فقط كالقصيدة الأدبية أو بلغة التصنيف «كالنشيد»، وذلك على هيئة «فلاشات» سريعة، أعرض في كل «فلاش» لمحة نقدية أدبية عن كلامها – كقصيدة أو كنشيد كما قلت لكم- من ناحية أدبية خالصة، فاستمتعوا.

أحمد مكي الفنان دون الأب

سريعًا أستعرض لكم «مكي» كممثل في أسطر قصيرة، من وجهة نظري المتواضعة، إن «مكي» فنان من نوع كلاسيكي بحت! ذلك الفنان الذي يحتفظ بكلاسيكية الفن السينمائي -السابع- من حيث الإلقاء، والتجسيد لمحور الشخصية التي يظهر بها في فيلمه أو مسلسله، فإذا استشهدنا بفيلم «إتش دبور» نرى أنه يظهر بصورة الشاب المرهف المواكب لعصره وجيله «طائش» ولكن تجسيده لتلك الشخصية كتمثيل وكتجسيد الفنان الراحل «نور الشريف» في أفلامه الشبابية، تمامًا كفيلم «البعض يذهب إلى المأذون مرتين»، أو كفيلم «غريب في بيتي»، أعلم أنكم تعجبتم! ولكن هذا نوعه في وجهة نظري، باختصار شديد جدًا. أحمد مكي فنان كلاسيكي تمثيلًا، وأداءً، سينمائيًّا كان أم دراميًّا، ولعل أهم دور أو شخصية أحبها فيه -كوني مشاهدًا عاديًا من جمهوره- هي شخصية «الصعيدي»، تلك الشخصية التي حذق فيها «مكي» بمهارة وحرفية في الأداء، ولعلني أشكر في مقالي هذا حرفيته، وحسن صناعته التمثيلية في تقديم ثلاث أو أربع شخصيات في مسلسل «الكبير أوي» بأجزاء المسلسل كلها! وأختتم تلك الفقرة بتكرار جملة قصيرة، هذا هو التكرار الثالث لها، أحمد مكي فنان كلاسيكي كممثل بعيدًا عن كونه مغنيًا أو مطربًا.

نقدي الفني الشخصي لأغنية أغلى من الياقوت

أغنية أغلى من الياقوت- أحمد مكي

وبعد أن قدمت لكم رأيي الشخصي المتواضع البسيط عن «أحمد مكي» كممثل، والذي أراه – هذا النقد- بسيطًا يناسب شخصي البسيط، آتي بكم إلى المحور الأول – كما اتفقنا سويًّا- نقد الأغنية فنيًّا من وجهة نظري البسيطة جدًّا، بكوني مشاهدًا لذلك «الفيديو كليب» الرائع، وليس بكوني ناقدًا فلست من النقاد في شيء!، في تلك الأغنية «الفيديو كليب» أرى أن:

  • التصوير: أراه حرفيًّا يشبه التصوير السينمائي تمامًا، في جدية التصوير واختيار الأماكن «اللوكيشن» مناسبة لجو الأغنية، أو في بعض الأجزاء منها مثل – الجبال والصحراء- عندنا نسمع جملة «عايزك صاحب عزيمة فولاذ حديد»، والجبال تدل على حرفية العزيمة وتحدي الصعاب.

  • الجرافيكس: هائل تمامًا، وأرى أن منفذه حاول وضع بعض المشاهد التعبيرية لنوع الأغنية، مثل أسلاك كهربية ملفتة حول صورة مغني الراب «بوب»، وتلك الأسلاك تمثل شعره الكثيف الكبير، وهذه فكرة رائعة.
  • الألوان: لا أفقه في تصحيح الألوان شيئًا ما! ولكن الألوان كانت متناسبة ومتناسقة بعضها مع بعض، ولاحظت اللون الأصفر الزاهي في بعض اللقطات مثل لقطة الجبل، والتي ذكر فيها جملة «عايزك صاحب عزيمة فولاذ حديد»، وفي عالم الألوان نرى أن «اللون الأصفر» يوحي بالحماسة والإقدام، إضافة إلى أنه ذكر في القرآن على أنه «يسر الناظرين».
  • الموسيقى «اللحن»: أرى أنه هادئ تمامًا، فليس به أي تأثيرات ضجيج أو إزعاج وهكذا، ولو سمعنا على طول الأغنية «الفيديو كليب» نرى أنها تمتزج ببعض موسيقى الحماس والحمية «الحنية» الأبوية، وهكذا.
  • باقي أجزاء الأغنية وفريق العمل: باختصار -وبدون مجاملة- شيء عظيم.
  • الإخراج: ممتاز.

وآتي بكم إلى المحور الثاني – كما اتفقنا سويًّا- نقد كلام الأغنية على هيئة «فلاشات» سريعة نقدًا أدبيًّا بحتًا، فعن كلامها أحدثكم.

الفلاش الأول

«يوم ميلادك»: أرى أن هذه الجملة تمثل أدبيًّا «براعة استهلال»؛ وهي كتابة أو قول جملة توضح ما يقال بباقي الكلام، ويوحي هذا القول بتمكن كاتب كلامه من إحكام السيطرة على القارئ – أو في حالتنا هذه على المستمع للأغنية- وتدل على أن القول موجه تمامًا من الأب إلى الابن.

الفلاش الثاني

«بيني وبينك حيط»: تدل على قسوة «المستشفى» حيث مكان ولادته من قهر الأب حان منعه من لقاء ابنه وعمره بضع ثوان، ولكن نرد على ذلك باعتبار أن «حجرة الولادة» تكون معمقة لمنع التلوث، ولكن لا بأس من هذا الشعور.

الفلاش الثالث

«قسوة الدنيا ومر الحكاية»: تدل -أدبيًّا- على شدة الفترة الحياتية التي نشأ خلالها الأب «أحمد مكي»، تلك المرحلة التي يبلغ فيها الشاب – كما كان مكي- بشدة الصعاب، فيواجه، ثم يحدث الانفراج بإتيان الابن، فتلك الفرحة.

الفلاش الرابع.. فلاش باك

«عايزك صاحب عزيمة فولاذ حديد.. مهما الدنيا تحبطك صمم خليك عنيد»: كما قلت إن كل عناصر الصورة الأدبية الفنية من لون «اللون الأصفر»، والأماكن «الجبال والصحراء» تتماشى مع خطوط الكلام في شعور أبوي واحد من أحمد مكي، ذلك شعور الحماسة وزرعه في نفوس ابنه، وذلك يندرج تحت الآية القرآنية: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا»، وتلك آية تدل على أهمية الإقدام، والعزيمة، والتضحية والفداء، والصبر على البلاء، وتحدي الصعاب في الوصول إلى الهدف، وفي ذلك براعة من كاتب الكلام.

الفلاش الخامس

«إوعى تفضح عيب إنسان لو ربك ستر.. كما تدين تدان متضمنشي القدر»: تلك الجملة التي تتماشى مع قول الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن الأمر نفسه: «من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة»، وفي ذلك نصيحة أبوية جميلة في تلك الأغنية، وتلك التي يقولها أي أب لابنه.

الفلاش السادس

«عايزك لربك شاكر»: تدل على إيمان الأب «أحمد مكي» في تقديم مثل جميل يحتذيه ابنه من بعده، وهو أن شكر الله واجب، وهذا يتماشى مع قول الله -سبحانه وتعالى- حول الأمر هذا لعباده أجمع: «ولئن شكرتم لأزيدنكم»، وهذا إيمان -كما قلت- بأحقية شكر الله وتدل -بلاغة وأدبًا- على براعة كاتب الكلام في عرض النصيحة «الوصية»، وتأثره بالقرآن الكريم.

الفلاش السابع

«لو قلت كلمة حق والناس قامت عليك.. ولو شجر مثمر بيتحدف بالطوب»: تدل على أهمية قول إن الحق حق والباطل باطل، وتدل على تأثر كاتب الكلام داخل الأغنية بقول أدبي خالد وباق دومًا وهو: «كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا.. يُرمى بطوبٍ فيرمي أطيب الثمر»، وتدل على تأثر «مكي» ببلاغة القدماء.

الفلاش الثامن

«أعيد حكي حدوته كتير.. قلبي كان بيطير»: تدل -أدبيًّا- على شدة حب «مكي» لابنه، وقهره للملل حين حكيه له حكاياته، وتوحي بصبر الآباء على خدمة الأبناء.

الفلاش التاسع

«يا ترى هتبقى سندي لما أكبر؟!»، تدل على حيرة الآباء حول حال الأبناء عندما يكبرون وينشغلون بحالهم -الأبناء ينشغلون- عن آباءهم دون السؤال عنهم، وهنا يقرر كاتب الكلام قول «أبو الأسود الدؤلي»: «المرء يعجز لا محالة.. أفضل الأبناء البررة»، ومن هنا يدل على تأثر مكي ببلاغة القدماء في مزج إحساسه بتفكيره، وفي ذلك حث وتحضيض على أهمية مساعدة الأبناء للآباء عندما يكبرون ويكونون شيوخًا وعجزة.

الفلاش العاشر

«مهما أسود الليل وطال هيطلع فجر جديد»: في أدبنا العربي تفيد بمدى الانفراج عن الكرب، وفي ذلك تأثر بقول رائع: «ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت.. وكنت أظنها لا تفرج»، إضافة إلى أن كلمة «الفجر» توحي بالقدسية وحنان القلب، وكلمة «الفجر» أدبيًّا وبلاغة في العربية تخلق: «هالة من الروحانية- الدنو من الروح السماوية- الانعتاق من أسر المادة الأرضية»، وفي ذلك براعة من كاتب الكلام «مكي»، وتأثيره بالروحانيات الموسيقية العابرة.

الفلاش الأخير

«كلمتين هقولهم لك أغلى عندي من الياقوت.. كنت جانبك يوم ولادتك عايزك جانبي يوم ما أموت»: تدل على حزن يصاب به المستمع حين يسمعها، وخاصة عندما تمتزج بالموسيقى، وتوحي بحال الأب عند وفاته بأنه يشعر بألا أحد حوله عندما يكون «الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد»، «ملك الموت» عنده، وتدل على أهمية الإحاطة بالأب عند وفاته، فتلك النظرة الأخيرة.

في مخاطبة ذوي الإحساس الراقي الفني

لي في نفسي -شخصيًّا- خمسة من مقاومات حياتي كلها؛ «القراءة فكر ومعرفة الحياة، السينما عشق ومعيشة الحياة، والقرآن والصلاة (طاعة الله) عصب وراحة الحياة، والكتابة مصاحبة وتحدي الحياة، وأخيرًا، الموسيقى روح وفن الحياة وكيفية خوضها والممارسة والمزاولة فيها فهي تخلق في نفسي لذات إنسانية تؤمن بجوهر ومعدن الذات والنفس، وهي عندي أغلى من أي شيء، تلك الموسيقى».

ولو نظرنا في الأمر نجد أن كثيرًا من الفقهاء والفلاسفة خاضوا تلك المعانى السامية من الموسيقى؛ فذلك «أفلاطون» يقول: «تعرض جهازنا الحسّي لوابل مستمر من الصور السريعة الحركة، والموسيقى، والمؤثرات الصوتية، يؤدي في نهاية المطاف إلى أن تصبح قدراتنا على اتخاذ قرارات عقلانية إزاء أي شيء أمرًا صعبًا»، ويقول «Berthold Auerbach» عن الموسيقى:

«Music washes away from the soul the dust of everyday life».

أي إنها: «تغسل الروح والنفس من أوساخ الحياة اليومية تمامًا»، نعم، إنها تطهر أرواحنا.

ختامًا

  • وفي الختام أحب أن أقول للقارئ العزيز الذي صبر على قراءة كلامي هذا، والذي أرى أن النقد الأدبي لكلمات الأغنية -الذي هو محفوظ لدي من حيث حقوق فكرته ونشره- غريب بعض الشيء، لكن جمال الأغنية «الفيديو كليب» دفعني لذلك.

وأقول لمن قرأ: «شكرا لك، اسمع الأغنية، سوف تعجبك»، وفي الختام، أقول لمكي: «أحسنت! أكمل على هذا السياق».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نقد فني
عرض التعليقات
تحميل المزيد