لم يشهد تاريخ الشعر العربي كله شاعرًا متصادمًا مع الأنظمة مثل أحمد مطر، يوجد العديد من الشعراء السياسيين في العصر الحديث أبرزهم: مظفر النواب، ونزار قباني، وأحمد فؤاد نجم، لكن مطر يختلف عنهم جميعًا، فقد كرّس حياته منذ الشباب لإعلاء راية الحرية، مجابهًا بقلمه فساد وتسلط الأنظمة العربية، ولم يحِدْ قلمه عن هذا الهدف أبدًا.

حياته

وُلد أحمد مطر في مدينة البصرة بالعراق عام 1954م، عاش طفولته في منطقة التنومة، ثم انتقل في صباه إلى محلة الأصمعي، والتحق فيها بالمدرسة الابتدائية، واضطره شظف العيش لتغيير نمط حياته متملصًا من قبضة الفقر هاربًا إلى بغداد حيث عاش في كنف أخيه.
وبسبب ظروف الحياة وقسوتها تعثر في دراسته فلجأ إلى القراءة للهروب من واقعه؛ مما صقل موهبته ولغته، ثم رمت به تقلبات الأحداث بالعراق في معترك السياسة، ويقول عن هذا: «ألقيت نفسي مبكرًا في دائرة النار، عندما تكشفت لي خفايا الصراع بين السلطة والشعب، ولم تطاوعني نفسي على الصمت أولًا، وعلى ارتداء ثياب العرس في المآتم ثانيًا، فجذبت عنان جوادي ناحية ميدان الغضب» .
وكان هذا مما جلب عليه السجن أثناء فترة تعلمه بسبب رفضه طلب المحافظ بأن يكتب قصيدة بمناسبة احتفالات ثورة يوليو التي تسلق فيها حزب البعث على كرسي السلطة.

وبعد أن ضاق بمطاردة السلطات العراقية له فرّ إلى الكويت، وكان آنذاك في منتصف العشرينات من عمره.
وهناك عمل محررًا ثقافيًّا في جريدة القبس، فكانت القبس بمثابة الكوة التي سربت الضوء والهواء إلى محبسه الذي فرضته عليه السطة، فاحتوت قصائده ولافتاته، وساعدت في انتشارها بين القراء.

كان لعمله في الكويت فائدة أخرى، وهي التقاؤه بناجي العلي الذي ربطت بينهما صداقة وثيقة، جمعتهما القضية الواحدة والنفي والجرأة، فكان مطر يبدأ الجريدة بلافتة في الصفحة الأولى، وناجي يختتمها بلوحته الكاريكاتيرية في الصفحة الأخيرة.

لكن أنّى للكلمة الحرة الصادقة أن تترعرع في المستنقع العربي؟
تكررت المأساة مرة أخرى، فقد أثارت كلمات مطر ولوحات ناجي حفيظة السلطات العربية، وهو ما أدى إلى صدور قرار بنفيهما معًا من الكويت.

ومنذ عام 1986م، استقر مطر في لندن ليمضي الأعوام الطويلة في المنفى يكتب فيها لافتاته وقصائده. ومن يظن أن عيشه في لندن قد يمنع عنه السلطات العربية فهو مخطئ، فما أكثر من ماتوا في المنفى من العراقيين على يد حزب البعث الذي كان متخصصًا في إنهاء حياة من يريد في أي مكان، كما هو الأمر مع جهات التحرير الفلسطينية وسلطات عربية أخرى، بجوار الموساد الإسرائيلي، وهذا ما حدث مع ناجي العلي الذي اغتيل في لندن عام 1987م، ورثاه مطر بقصيدة من روائعه.

نعم، من المستغرب أن مطر ما زال حيًّا وسط كل هذا، لكنه لم ينج بشكل كامل؛ ففي فترة سجنه في العراق، مات اثنين من أخوته في حوادث غامضة أو بمعنى أوضح تم اغتيالهما، فكان هذا هو سببه الأكبر للهرب إلى الكويت.

منهجه الشعري

أحب مطر العروض فكتب الشعر بالشكل العامودي، ثم ابتدع أشكالًا أخرى ونظم إحدى قصائده على بحرٍ من ابتكاره. كتب كثيرًا من القصائد ذات البيت الواحد. كما كتب في شعر التفعيلة أو الشعر الحر، وفي أغلب قصائده يمارس الاختزال والإيجاز بحيث لا تتعدى القصيدة تسع أو عشر كلمات. وهناك قصائد طويلة في شكلها لكن بناءها الداخلي يتكون من عدة مقاطع أو قصائد صغيرة.

بدأ مطر كتابة الشعر في سن الرابعة عشر، وانحصرت قصائده في نطاق الغزل والرومانسية، وكان مطلع أول قصيدة يكتبها:

مرقت كالسهم لا تلوي خطاها *** ليت شعري ما الذي اليوم دهاها

ومع الوقت دفعت به الحياة في معترك السياسة، فأصبحت هي كل همه، فظل طوال عمره يخوض حربًا غير متكافئة ضد الأنظمة ليس له فيها صاحب أو مُجير، أو شعب يستمع فيعي، فقال يائسًا من استجابتهم:

العلة ليست في الوالي
العلة يا شعبي فيكْ.

لكنه مع معرفته بأن الشعب ميئوسٌ منه لم يتوقف يومًا عن كتابة لافتاته؛ علَّها تكسر الأقفال التي أوصدت عقول الشعب فتحيله حيًّا من بعد موته. وأولًا وأخيرًا هو يكتبها بواعز داخلي يمليه عليه ضميره.

«إنما أكتب أشعاري.. دفاعًا عن ضميري».

أسلوب أحمد مطر حاد ومحمّل بالسخرية، وكلماته عنيفة لا هوادة فيها، ولا مواربة، كان قلمه يدًا، وفمًا، ورصاصات موجهة ضد الأنظمة العربية.
أيوجد أكثر من هجائهم بقوله: الحاكمون هم الكلاب مع اعتذاري ** فالكلاب حفيظة لوفاء؟!

شعره يحفل بالكثير من الهجاء الصريح على هذه الشاكلة. وأنظر له حين يريد أن يتغزل بمحبوبته، فيقول:

«أهواك يا حبيبتي
أكثر من عار العرب
ومن مذلة العرب
ومن تخلف العرب
ومن عصور زحفهم
على البطون والركب…».
وفي قصيدة أخرى يقول: «عيناها.. كظلام المخفر
شفتاها.. كالشمع الأحمر
نهداها.. كتورم جسمي
قبل التوقيع على المحضر…» إلى آخر القصيدة.

إن أتت هذه التشبيهات في قصيدة غزلية عادية لكنت نفرت منها ولعنت كاتبها، أما وكاتبها أحمد مطر فهذا شيء معتاد، فمطر لا يعرف ما الغزل، لم يؤت هذ الترف الذي أتيح لغيره من الشعراء. فهو يقول صراحة: «أنا لا أشبه إلا بقبح القسمات».

قد يظن البعض أن مكانة مطر الشعرية قامت بناءً على جرأته وتصادمه مع الأنظمة فقط، لكن الحقيقة أنه موهبة شعرية متكاملة، فشعره يظل ساكنًا في الوجدان دائمًا بصوره المتقدة بالخيال، وثراء تشبيهاته الصادمة، والعاطفة الصادقة التي تجعلك تشعر بآلام وهموم الشاعر.

يمكن أن نلخص منهجه الشعري في بيتين وردا في قصيدة «ما أصعب الكلام» في رثاء ناجي العلي، يعبران بدقة عن حياته وشعره:

«لو لم تعد في العمر إلا ساعةً *** لقضيتها بشتيمة الخُلفاءِ
أنا لست أهجو الحاكمين، وإنما *** أهجو بذكر الحاكمين هجائي».

هو أفضل من كتب الشعر السياسي دون شك، ويمكن تصنيفه مِن أفضل مَن كتب الكوميديا السوداء أيضًا.

ما بين صداقة نزار وازدراء أدونيس

ورد في أشعار مطر ذكر شاعرين من المحدثين المعاصرين له، وهما: نزار قباني، وأدونيس.
وذُكر الأخير في قصيدته «عقوبة إبليس» التي تمثل حوارًا بين إبليس وخليلته، يحاول فيه إبليس طمأنة خليلته بتكبره المعهود بأن الله لن يدخله نارًا لأنه من نار، ولن يصيبه بسوء لأنه إبليس، فتخبره خليلته بأن يدع عنه التدليس، لأن ربه لا يعجز عن شيء، فقد يعلمه الذوق ويعطيه براءة قديس ويوهبه أرق أحاسيس، ثم يدعوه بلا إنذار إلى عقوبته بأن يقرأ شعر أدونيس.
فقد كان مطر يزدري شعر أدونيس ولا يعترف به شاعرًا.

أما نزار فقد جمعته به صداقة حميمة، وكانا يتواصلان كثيرًا. بالرغم من أن المقارنات كانت تُقام بينهما دائمًا، ولكن لم يدب في قلب أحدهما الغيرة من الآخر، فجاء على لسان مطر ذات مرة يقول: «ولا أنسى أنّ نزار قبّاني قد أخذ عليّ – أكثر من مرّة- أني أدفن نفسي حيًّا، وأنشغل بالحرب دون الحب. وقد أزعجه أن يذهب شبابي دون أن أخوض في هذا اليم الساحر، فأستحضر في النفس الأمّارة كلّ شياطين وملائكة الشعر».

ومن كثرة ما سُئل مطر: لماذا لا تكتب الغزل؟ قرر أن يرد أخيرًا بقصيدته الرائعة «أعرف الحب.. ولكن!» وذكر نزار فيها، في قوله: «ولخبأت امرأ القيس بجيبي.. ولألغيت نزارا».

والناظر في هذا البيت قد يظن أن مطر يقلل من شأن نزار بهذه اللفتة، ولكن أن يرد ذكر نزار بجوار امرئ القيس لهو أعظم تكريم، كما أن ذكره لنزار خاصة يبين أنه يراه الأفضل في الغزل في هذا العصر، فيفتخر بأنه لو أتيحت له نشأة مختلفة ولم يكن في وطنه كل هذا العبث لخبأ امرأ القيس أفضل الشعراء العرب بجيبه، وألغى نزارًا أفضل الشعراء المحدثين.

صورة تجمع مطر ونزار وناجي وأدونيس وبلند حيدري ومصطفى الزين، بالترتيب

إشاعة موته

انتشرت العديد من الشائعات حول موت أحمد مطر، وكان آخرها وأوسعها انتشارًا في يوليو من عام 2014م، وقد أشارت فيه بعض وكالات الأنباء، إلى أن الشاعر قد فارق الحياة في العاصمة البريطانية لندن، إثر أزمة صحية مفاجئة، وقام بنعيه بعض الشعراء، نحو: أحمد سويلم، وعمرو قطامش، وأمين حداد.

قامت عائلته بعدها بأيام بنفي الخبر مؤكدة بأنه ما زال على قيد الحياة، وحالته مستقرة. وما زال مطر يعيش إلى يومنا هذا في لندن مع عائلته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!