يمر اليوم أكثر من عامين ونصف، على اندلاع قضية حرية الرأي والتعبير، الخاصة بالكاتب الصحافي والروائي أحمد ناجي، الذي قام بنشر مقاطع من روايته «استخدام الحياة» على جريدة «أخبار الأدب» المصرية، حوكم بعدها بتهمة خدش الحياء العام.

وقد قرأت حينها على مواقع التواصل مشاركات كثيرة ممن هاجم أصحابها أحمد ناجي بضراوة، كانت تبدو لي مبالغًا فيها، لكني شاركت بنفسي في هجوم آخر، وإن كان أقل ضراوة، فهذا لا ينزع عنه صفته الهجومية في مقال سابق لي، نشر على ساسة بوست بعنوان : أحمد ناجي وجد من يدافعون عنه.. من سيدافع عنا نحن؟

في خلط واضح يبدو غريبًا من خلال العنوان نفسه، بين قضية خاصة بشخص، وبين مجموعة عامة موصوفة بالضمير «نحن»، وهذا العنوان وحده يشير إلى مغالطات عديدة، كما اكتشفت بعد ذلك، عندما أعدت قراءة المقال بعد فترة، إذ من هم نحن بالضبط؟! من المقصود بهم؟ ولماذا نذكرهم في مقابل ذكر شخص واحد هو ناجي؟ هل يقف ناجي ضد هؤلاء الذين لا يعرف من هم؟! أو هل يمثل ناجي فريقًا ما، ويمثل الموصوفون بنحن فريقًا آخر؟

 

وعندما أعدت قراءة المقال كاملًا، تبين لي أنني قد خلطت الخاص بالعام، وزيد بعبيد، والحابل بالنابل، كما يقولون! ووجدت أنه لم يكن من اللائق استخدام قضية خاصة بشخص لها ملابساتها وظروفها الخاصة، في موضع الحديث عن قضايا ومشكلات عامة يواجهها معظم الكتاب الشباب من صعوبات في النشر وغيرها. شعرت بالصدمة، لم يكن موقفي نبيلًا، أو موضوعيًّا حتى، من قضية خاصة بحرية الرأي والتعبير، وقد وجدت أن الكثير من الذاتية، والانفعالات الخاصة، والخلط قد شابت هذا الموقف، وتسربت إليه.

وكنت للمصادفة (بعد مرور أكثر من عامين على نشري مقالي السابق عن ناجي) قد نشرت مؤخرًا قريبًا مقالًا آخر على الموقع نفسه «ساسة بوست»، يخص قضية اللبنانية منى المذبوح، وكان ما ذكرته في مقالي عن منى ما يزال حاضرًا بذهني، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الإزاحة النفسية التي يقوم بها البشر تجاه موضوعات لا تمثل موضوع غضبهم الأصلي. وفجأة اكتشفت، أنني قمت بإزاحة ضد ناجي! ووضعت في مقالي السابق عنه قدرًا كبيرًا منها. فمعظمنا ككتاب شباب، ولا أستثني نفسي بالطبع، نعاني من ضغوطات وإحباطات كبيرة تتعلق بسوق النشر والدعاية، وقدرة الكاتب الشاب على الوصول إلى شريحة كبيرة من القراء، وتحقيق آماله في الحصول على التقدير المعنوي حتى لكتابته، إن لم يكن التقدير المادي ممكنًا.

وأستطيع أن أراهن الآن بضمير مستريح، أن الكثير من المواقف التي اندلعت ضد ناجي (أقول الكثير ولا أعني كلها بالطبع) قد اعتمدت في اندفاعها على خلفية من هذه الضغوطات والإحباطات، شكلت عند البعض صورة نفسية لا واعية من الشعور المركب بالحسد والإزاحة، لصعود كاتب غير مشهور على قمة المشهد الثقافي، بسبب قضية «حرية رأي وتعبير» يواجهها. فالذين لم يحصلوا على الأضواء بسبب كتاباتهم، والتي يعتقدون أنها جيدة، يشعرون الآن (وقت تفجر القضية) بالظلم، لأن كاتب يختلف أسلوبه مع الأساليب التي يكتبون بها، ومع قناعاتهم الفنية، قد حصل على قدر منها بشكل أو بآخر. وغاب عن أذهانهم وقتها، أن ثمن هذا القدر المؤقت من الأضواء، كان فادحًا جدًّا، ولا شيء مهما كان يساويه أو يستحقه، فلا أغلى من الحرية، والتجربة التي يعانيها شخص فقد حريته ويناضل جاهدًا من أجل استرجاعها، هي معاناة لا يمكن أن توضع موضع الحسد، أو حتى الغبطة.

وفي ذروة هذا الشعور النفسي، الذي يكون لا واعيًا غالبًا. تم تناسي الحقيقة الكبرى، وهي أنه في ظل دولة قمعية لا تحترم حقوق الإنسان، بما فيها حرية الرأي والتعبير، ومجتمع متسلط ينزع أحيانًا ليكون فاشيًا ومتسلطًا ضد أفراده، فإن أي واحد منا، كل من يمارس الكتابة في ظل هذه الظروف وتحت طائلتها، كان وما زال معرضًا لمثل ما حدث مع أحمد ناجي، وذلك إذا لم توافق كتابته من أي نوع، أو من أي اتجاه (وليس فقط من اتجاه أن تحتوي الكتابة على ألفاظ جريئة أو خادشة للحياء كما رآها البعض) هوى السلطات الحاكمة، أو هوى السلطات الاجتماعية النابذة دائمًا للأقلية وللمختلفين عن تصوراتها ونماذجها القيمية العامة، وحتى أساليبها الشائعة لأنماط الحياة، والتي لا تحترم قيمًا أخرى مهمة مثل: قيمة الاختلاف، أو الحرية الفردية، أو حرية الرأي والتعبير.

والحال هكذا، فإن واجبنا الأساسي كان الدفاع عن قضايانا المشتركة ككتاب، مثل حرية الرأي والتعبير، وليس الالتفات إلى الخلافات الأيديولوجية، أو اختلاف أساليب الكتابة ما بيننا، فهناك من يكتب بجرأة، ومن يكتب كتابة محافظة، وبين الاثنين درجات لا تعد ولا تحصى.

الآن، وبعد أكثر من عامين على نشر مقالي الأول عن القضية، شعرت بضرورة قيامي بهذه المراجعة، وتأمل القضية وردود الأفعال التي أثارتها من جديد. وما أتمناه من قلبي، أنه عندما تنفجر قضايا مماثلة في أي وقت من المستقبل، أن نتأنى جميعًا، ونقلب النظر مرات ومرات قبل أن نصدر مواقف، هي في الحقيقة لا تمثل مواقف ضد قضايا خاصة بأشخاص معينين فقط، بل ضد قضايا عامة تخصنا جميعًا، ونناضل من أجلها في كل وقت، ذلك أن المبادئ لا ينبغي أن تتجزأ، وما نأمله لأنفسنا من حقوق ككتاب، يجب أن نأمله بالقدر نفسه – مهما اختلفت أيديولوجياتنا أو أساليبنا- لزملائنا الكتاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد