مع تزايد الضغوط على المواطن المصري، وانهيار شعبية نظام السيسي في الشارع، حتى وصل الحال إلى التحسر على نظام مبارك، أصبح لا يوجد أي حل عملي للخروج من الأزمة الراهنة التي خلقها النظام الحالي سوى انتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها منتصف عام 2018م، مع ذلك فتلك الانتخابات لم يعلن حتى اللحظة أي شخص ترشحه فيها أمام السيسي!

لا أمل في ثورة جديدة

يقولون إن الأحرار يموتون ويبقى المنتفعون؛ لأجل ذلك تمر الثورات الكبيرة بمراحل كي تنجح؛ ذلك أن كلاب النظام السابق والمتسلقين من كل اتجاه يحاولون إعادة الحال إلى ما كان عليه من فساد، والذي كان سبب الثورة! ليجد الأحرار أن دماءً زكية قد سالت ودفعت حياتها بلا ثمن لأن الثورة لم تحقق أهدافها.

الحال في مصر الآن خير برهان على صحة هذا التصور، مع ذلك لا يوجد عاقل يمكن أن يطمع في موجة ثورية ثانية لتصحيح ما خرب، ولعل فشل المظاهرات التي تمت الدعوة إليها عدة مرات منذ بدأت أزمة جزيرتيْ تيران وصنافير دليل حاسم على انعدام الأمل في ثورة جديدة. الطريق الثوري مغلق الآن، ومكتوب عليه الفشل، والنظام يستخدم أحط الوسائل لقمع الاحتجاجات، مع مواصلة الضغط على الشارع بغباء، يعلن فيه عن مستوى عالٍ من الاستبداد غير مسبوق، حتى إنه لم يعد يتكلف تجميل صورته أمام الناس، أو التبرير لقراراته المجحفة في حقهم.

هل هناك انقلاب عسكري محتمل؟

كما أن قيام ثورة يمكن أن تطيح بنظام السيسي غير محتمل إطلاقًا رغم توفر الظروف المسببة لاحتقان الشارع، فانقلاب الجيش عليه تجاوبًا مع نبض الشارع أو حفاظًا على البلاد من قراراته السياسية التي تمثل تفريطًا في أرض مصر عدم احتماليته أكبر.

ما حدث في ثورة 25 يناير 2011، ثم ما تلاها كان بالنسبة للمؤسسة العسكرية مغامرة؛ لرغبة طنطاوي في إفشال مساعي عمر سليمان وأحمد شفيق في الوصول إلى كرسي الرئاسة كراهية فيهما. في المقابل حرص طنطاوي أن تبلغ المغامرة نهايتها بإيصال مرسي إلى الحكم لفترة قصيرة، وكانت مغامرة محسوبة العواقب على كل حال لعلمه أن مقومات الدولة كلها في يد الجيش والمخابرات. وكان الهدف الأكبر منها ألّا يجازف الشعب بالثورة على أي حاكم ينتمي إلى المؤسسة العسكرية مرة ثانية.

والآن، بعد أن استعادت المؤسسة العسكرية الهيمنة الكاملة على البلاد، وسعت لفرض القبضة الحديدية على الشعب وتكميم الأفواه، وكأنهم يريدون إعادتنا إلى عصر المنكوس عبد الناصر، فالجيش يستحيل أن يترك الحكم ثانية. لن يسمح بالمغامرة مرة أخرى.

لعل هذا هو ما يفسر حالة الصمت القبوري الحادثة من قيادات الجيش تجاه التفريط في الأرض؛ إذ لا يُعقل أنه لا توجد قيادات في الجيش المصري غير ساخطة بسبب التفريط المهين في جزيرتيْ تيران وصنافير، ثم ما يتم من تهجير لأهالي سيناء لأجل إخلاء الشريط الساحلي بين رفح والعريش، والذي يتخذ من مكافحة الإرهاب ستارًا له، والحقيقة وراءه أنه تهيئة للمكان لأجل صفقة تبادل الأراضي وتوسعة قطاع غزة. لكن تلك القيادات مضطرة للسكوت لعدم تعريض مصالحهم كسلطة حاكمة للخطر، فالأمر أكبر من مجرد امتيازات تم إعطاؤها للعسكريين في عهد السيسي، كما أن سمعة مصر الدولية لا تتحمل حدوث انقلاب ثانٍ في غضون سنوات قلائل.

إضافة لذلك فالرئيس يؤمِّن حراسته جيدًا تحسبًا لأي غدر قد يلحقه للتخلص منه منفردًا.

مرشح عسكري ذو خبرة مدنية

لأجل ما سبق، فالحل الوحيد الذي يقبله العقل للخروج من الأزمة الراهنة هو استثمار فرصة إجراء انتخابات رئاسية جديدة بعد أقل من عام، والاتفاق على مرشح بالتراضي يستطيع أن يواجه السيسي.

هذا المرشح لا يمكن أن ينجح لو لم يكن من أبناء المؤسسة العسكرية، وفي الوقت ذاته لا بد أن يلقى قبولًا لدى الشعب، ويستشعر فيه القدرة على إدارة البلاد، ولأجل هذا لا بد أن يكون رصيده محملًا بالخبرات الإدارية.

والمرشح الوحيد الذي تتوفر فيه تلك المواصفات هو الفريق أحمد شفيق، فهو من أبناء المؤسسة العسكرية، كما أنه ترك العسكرية منذ فترة ليست بالقصيرة، ومرَّ بخبرات ناجحة في القطاع المدني، وسبق أن مر بانتخابات رئاسية أظهرت وجود شعبية له في الشارع المصري تصل إلى ملايين.

أسباب الاعتراض على أحمد شفيق

هذا وتتلخص أسباب الاعتراض على شفيق في عدة أمور تكررت على مسامعنا كثيرًا في الانتخابات الرئاسية التي خاضها، أهمها أنه جزء من نظام مبارك، وسيسعى إلى إعادته! وهذا الاعتراض إضافة إلى أن نظام مبارك أفضل ألف مرة مما نحن فيه، هو اعتراض تافه وغير حقيقي، لأن شفيق لم يكن سوى وزير الطيران المدني في عهد مبارك، وهي وزارة غير سيادية، لا يُعتبر شاغلها من رجال النظام بالمعنى الدقيق، فلا علاقة له بتحديد السياسات الفاسدة التي عانى منها المواطنون، وأداؤه في الوزارة أشادت به مؤسسات الطيران المدني بحيث مثّل نقلة في قطاع الطيران المدني المصري، واستطاع تحويل مصر للطيران في عهده من شركة مدينة إلى شركة دائنة، مع كل الإصلاحات والمنشآت التي حدثت في فترة توليه.

ثم إن هناك اتهامات سفيهة في حق الرجل بالفساد، وطوال سنوات ما بعد الثورة لم نسمع ممن ادّعوا فساد الرجل سوى عن قضية تخصيص أرض جمعية الطيارين، تلك التي وقّع على عقدها النهائي بصفته، كإجراء روتيني، بعد توليه رئاسة جمعية الطيارين، وهذا لمن يفهم وسام على جبينه، لأن رجلًا تولى مناصب قيادية عديدة، وصلت لتولي حقيبة وزارية، أُسندت فيها مناقصات كبيرة إلى شركات عالمية، ولم يجد أعداؤه السياسيون من الإخوان ثم نظام السيسي غير تلك الحادثة التي لا دخل له بها ليلوكوها على مدى سنوات بألسنتهم هو رجل شريف ولا شك؛ لأنهم لو وجدوا غيرها ما سكتوا.

وتوليه رئاسة الوزراء أثناء الثورة إذعانًا من مبارك لمطالب الثوار بضرورة القضاء على الفساد هو اعتراف بنزاهته، قبل أن يعني أنه من رجال مبارك، فلو كان مقربًا من مبارك إلى هذه الدرجة لولّاه إياها قبل الثورة، أو حتى أعطاه حقيبة وزارية أعلى من الطيران المدني، ولكنه أبعده بيده عن وزارة الدفاع. ولم يكن مبارك يغامر بإعطاء رئاسة الوزارة في ذلك الوقت العصيب لرجل ملفه ملوث وفاسد.

وهناك من يبدي اعتراضه على شفيق من الشباب والقوى المدنية لمجرد أنه من المؤسسة العسكرية، ولو جاءهم نبي من تلك المؤسسة ما قبلوه، لأنهم يصرون أن الجيوش وُجدت لتحمي لا لتحكم، ولا بد إن أردنا لمصر أن تنهض من حاكم مدني وليس عسكريًا، فالنظام العسكري خانق للإبداع. وهذا هو الاعتراض الوحيد الذي أجد له وجاهته من وجهة نظري.

ماذا عن موقف القوى المدنية في مصر؟

يمكن أن نصف ما يصدر عن القوى الوطنية في مصر بأنه أشبه بتصرفات المراهقين وربما الأطفال أحيانًا، وهذا سبب تزايد كراهية الشارع لهم، خاصة الشباب منهم؛ فلا عقل ولا حكمة ولا دراسة للعوامل والخيارات المتاحة، بل حنجورية وجعجعة لا أكثر.

المشكلة تتلخص في أن الإصرار على رئيس مدني، رغم وجاهته، لا يلقى قبولًا شعبيًا، وسيعمل الجيش على عرقلة وصوله إلى الحكم، كما أن الشارع المصري لا يرفض فكرة الرئيس ذي الخلفية العسكرية، وكثيرون يرونها ضرورة تفرضها ظروفنا والعدو المتربص بنا.

ولا أعتقد أن لدى القوى المدنية من الحكمة ما يمكن أن يجعلهم يقدِّرون العوامل المتحكمة في الموقف السياسي المصري، كما أثق مع ذلك أن رأيهم لا وزن حقيقي له في الشارع المصري.

موقف الإخوان

الإخوان لا يفترون عن المطالبة بعودة مرسي، ويحدثوننا كما لو كان عمر بن عبد العزيز كان يحكمنا، وما رأينا منه ومنهم إلا محاولات التسلط التي لا يفرق بينها وبين تسلط السيسي كرئيس عسكري إلا قوة الأدوات التي يستخدمها الأخير.

وكما يتعامل السيسي مع السعودية باعتبارها الشقيقة الكبرى، فقد كان مرسي يفعل مع تركيا. كلاهما لم يريا في مصر إلا تابعًا، ولم يدركا قيمة مصر.

والإخوان هم سبب البلاء من الأساس، ونبأ تزوير انتخابات الإعادة بين مرسي وشفيق مؤكد بالنسبة لي، ولولا ألاعيبهم القذرة مع طنطاوي لما وصل حال البلد إلى ما هو عليه.

بالتالي فإن تصويت الإخوان لشفيق هو احتمال ضعيف لو ظلوا على مطالب عودة مرسي، ولكن ما يميز الإخوان أنهم أكثر عقلًا من القوى المدنية، ويضعون المصلحة في الاعتبار؛ لذا من يدري؟!

هل يمكن أن يعلن شفيق الترشح فعلًا؟

لا شك لدى أي متابع للحوادث السياسية أن السيسي يتشبث بالحكم، وأن رجلًا له تركيبة شخصيته لا يمكن أن يترك الحكم إلا مرغمًا، ومن ثم فهو لن يتورع عن محاولة إبعاد أو تشويه أي مرشح محتمل له حظوظ وشعبية في الشارع المصري.

معلوم أن شفيق يقيم في دولة الإمارات منذ مغادرته مصر بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية بينه وبين مرسي، وكانت قد ترددت أنباء عند إعلان السيسي ترشحه للرئاسة المرة الأولى أن الإمارات لم ترحب بذلك الترشح، وكانت تأمل ترشح شفيق، الذي عدل عن ترشيح نفسه أمام السيسي في انتخابات الرئاسة 2014.

لكن سلطة محمد بن زايد تتعاظم في الإمارات، مما أحدث تغيرًا في صورة تلك الدولة الصغيرة لدى ملايين العرب الذين كانوا يعتبرونها الجنة الوحيدة بين جحيم الأنظمة العربية، وصِلة ابن زايد بنظام السيسي تقوى، حتى لقد أصبحت الأنظمة السياسية في مصر والسعودية والإمارات تمثل تحالفًا أشبه بمثلث الشر بسبب تدخلاتها السياسية في شؤون دول عربية أخرى أهمها اليمن.

بناءً عليه فإن استمرار إقامة الفريق شفيق في الإمارات سيعيق إعلان ترشحه للرئاسة حتى قبل عودته إلى مصر، ولا حل أمامه إن نوى الترشح سوى ترك الإمارات والانتقال لمحل إقامة جديد غالبًا في أوروبا لحين اقتراب موعد الانتخابات والعودة إلى مصر.

لكن مع ذلك، فإن إتمام إجراءات العملية الانتخابية بدءًا من الترشح، ليس بالأمر السهل مع حاكم مثل السيسي، فبقدر ما هو مكشوف ومفضوح، بقدر ما يتعامل مع الناس على أنهم أطفال سيصدقون تبريراته.

من المحتمل على سبيل المثال محاولة فتح أي ملفات قانونية لا قيمة لها والتلويح بها أمام الفريق لمنعه من الترشح، كما أنه من المؤكد من إعلام السيسي التوسع في حملات تشويه للفريق، ونشر اللجان الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب المتحمس لتذكيرهم بأنه رئيس الوزراء الذي حدثت في عهده موقعة الجمل أثناء ثورة يناير، وكيت وكيت… ولكن سيظل الأمل الباقي هم قيادات الجيش النزيهة التي تُقدم مصلحة مصر على مصالحهم، وحزب الكنبة* وما سيقررون. والأهم، أن يقرر الفريق شفيق الترشح بالفعل للانتخابات الرئاسية.

نحن بانتظار ما ستسفر لنا عنه الأيام، ونرجو ألّا تكون مفاجأة بتعديل الدستور ومد فترة الرئاسة لأكثر من أربع سنوات برعاية مجلس علي عبد العال.

*******

*حزب الكنبة: هو تعبير نستخدمه في مصر للإشارة إلى المواطنين المشغولين بلقمة عيشهم، الذين ليس لديهم انتماء سياسي، ويقبعون في منازلهم، متفرجين على المشهد السياسي، وهم قوة كبيرة ومؤثرة عندما يدلون بأصواتهم في أي انتخابات، رغم أنه ليس لهم صوت مسموع كأصوات السياسيين والإعلاميين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد