(1)

في زمن أصبح ما يعرف بالمهرجان عنوانًا للفن الشعبي، وتحديدًا في إحدي حارات القاهرة المقهورة، وقف مُطرب شعبي – بالمعني الكلاسيكي القديم – أربعيني العمر، أثناء إحيائه لأحدى حفلات الزفاف المتواضعة؛ ليفاجئ الحضور بمناجاته للزهر، على أمل أن يحن ويلعب. وإذا بالزهر يرق ويميل، فيملأ اسمه السمع والبصر. شيبة هذه كنيته، يعرفه البعض كمغني درجة ثالثة، يكسب قوت يومه من الغناء في الكباريهات التي لم يختلف حظها عنه بكثير، أو في الأفراح التي لا يعرف أصحابها معنى الفرح – على حد تعبيره – إلا مرة واحدة في عمرهم، لكن شيبة في قرارة نفسه يعلم أنه أكثر من مغنٍ شعبي مؤمن أن الأغنية لا تستقيم إلا بمقومات أساسية أهمها المقام الموسيقي والرسالة. شيبة فيلسوف صاحب منهج في الحياة. القدر لم يسمح له أن يأخذ حكمته من أفواه الأساتذة والعلماء، فانتزعها من قلب الشارع، وقرر أن يحول أغانية لمرجع من مراجع فلسفته العبثية، يعود إليها كل باحث عن الموعظة.

(2)

 «آه لو لعبت يا زهر»

عبارة يرددها الجميع صباحًا ومساءً، ولكن كم فردًا منا يعرف ما سيفعله تحديدًا بعدما يلعب الزهر؟ لا أحد تقريبًا. هناك دائمًا أسباب أخرى وراء تعثرنا، فالحظ أو النصيب الذي لم يأذن بعد، أو ربما الآخرون هم دائمًا السبب، وكأن الإنسان خلق ليكون مفعولًا به، يجعلوه فينجعل، لكن شيبة كان واضحًا تمامًا في تلك الجزئية، وكأنه يعمل وفقًا لخطة عمل قد وضعها مسبقًا. فمن البداية يوضح للجميع أنه عندما يعلب الزهر معه ليركب موجته الأولى في سكة الأموال، سيذهب مباشرة لمن كسر بخاطره عندما كان في أشد الحاجة إليه، ولكن الانتقام ليس دافعه، بل «ليعمل معاه الصح»! والصح في وجهة نظر شيبة أن يرد الإساءة بإحسان. فبالله عليك، هل نحن أمام مًغن قد جاءت الحياة عليه بمرها وعلقمها؛ فقرر الانتقام عندما واتته الفرصة، أم نحن أمام فيسلوف يعلم جيدًا أن الماضي قد مضى، والحاضر لا يجب أن يمضي في تصفية حسابات الأمس! أما عن هؤلاء الملاعين الذين خذلونا في السابق، فربما كانوا الدافع لنصبح ما نحن عليه اليوم، ولعل خير انتقام أن تبتسم في وجوههم بهدوء وترحل.

(3)

«يا دنيا علمينا … متعلميش علينا»

يبدأ شيبة ملحمته هذه المرة بتعريف «وشوش» الدنيا لمستمعيه. فمن السذاجة أن تعتقد أن الدنيا تمتلك وجهًا واحدًا فقط، ولحسن الحظ ولسوئه يجب أن تراها كلها. فالحياة لا تعرف عدوًا لدودًا أو صديقًا حميمًا. كل شىء فيها مؤقت حتى نظرتها إليك.

ولا شك أن الدنيا هي خير معلم، إن لم تكن المعلم الأوحد، وشيبة بحكم كونه فيلسوفًا يدرك تلك الحقيقة تمامًا، فتجده يتضرع إليها ويسأل – فقط يسأل – أن ترأف به، فيرجوها كرجاء طفل صغير لمعلمه مطالبًا إياه بأن لا يزيد بالضرب عليه، فيستأذنها أن تُعلمه دون أن «تُعلم عليه». فإذا كانت الدنيا ترغب – وكثيرًا ما ترغب – في أن تعملنا بعض الأشياء، فليكن ذلك «بالهداوة» دون أية حاجة للقفش أو للغباوة في العقاب. واذا كانت الدنيا ترى أن القسوة في العقاب ضرورة لتعليمنا دروسها، فهي بحاجة إذن لأن تراجع نفسها قليلًا تجاه طريقتها. قليل من اللين لن يقلل من هيبتها في نفوسنا.

(4)

«شوفنا بلاوي والقلب غاوي في الدنيا مرازية»

الدنيا دائمًا في موضوع الاتهام، لكن شيبة في تلك السطور يبرؤها براءة الذئب من دم ابن يعقوب. فالقلب من يهوى المرازية في الدنيا، وليس العكس. فتعالَ إذن نعرّف المرازية، بكونها: رغبة أحد الأطراف بالإقدام على فعل ما بغير رغبة الأطراف الأخرى. وبما أن الطرف الأول القائم بمقام الفاعل هنا هو القلب، فالدنيا إذن عبارة عن رد فعل، يستفزها القلب بشغفه الدائم باكتشاف أبعادها وجوانبها، فيكون ردها ملاعبته بمشاعره. فتجعله يختبر شعور الحب، وما أن يسلم لها رايته، لتفاجئه بالجفاء. فالقلب هو من أراد اللعب من البداية، والدنيا أجابته. فكما اتفقنا سابقًا أن الدنيا معلم صارم لا يجيد تدليل تلاميذه. فقط يقوم بدوره حتى ولو كان على حساب مشاعرهم.

(5)

في النهاية، الحظ ليس عشوائيًا كما يبدو، فهو يعلم مسبقًا بطريقة ما من يختار ومتى. ومن المؤكد أن الجالسين على طاولات القُمار في انتظار الزهر أن يلعب معهم، ليسوا ضمن قائمته. فالزهر له وجهة نظر في من يختارهم، واذا اعتبرنا شيبة واحدًا منهم، فالشيء الوحيد الذي نستطيع أن نستلخصه من كلمات هذا الفيلسوف أن الزهر يُحب من يستعطفه أو حتى يستجديه في بعض على الأوقات، لكن بشرط حسن النية ووجود خطة ما لضمان الجدية في اللعب مع الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد