والسؤال: وماذا بعد؟!

«وقد تعلمت درسًا خلال عملي محررًا برلمانيًا، وهو أنني يجب أن أبحث عما وراء أقوال النواب في الجلسات العلنية تحت القبة! لقد بهرني نائبٌ قدَّم استجوابًا إلى الحكومة، وذلك عن خلل العمل بشركة المحلة الكبرى، وأثار النائب وقائع صارخة، وكان خطيبًا لامعًا وانفعلت باستجوابه، وكتبت تعليقًا متحمِّسًا، ثم اتضح لي بعد ذلك أن هذا النائب كان يريد أن يكون عضوًا بمجلس إدارة شركة المحلة، ولمَّا لم يعيَّن قدَّم هذا الاستجواب!» موسى صبري، 50 عامًا في قطار الصحافة.

قولًا واحدًا إن موسى صبري لم يحضر جلسة مجلس النواب الأخيرة، والتي عقدت يوم 13 فبراير (شباط) الماضي توفي موسى صبري يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1992، والتي شهدت الموافقة الساحقة على التعديلات الدستورية والماحقة لآمال الشعب المصري. أكثر ما أثار الانتباه لم يكن خبر الموافقة، لكنها كلمة النائب، أحمد طنطاوي، وهو صحافي وقف تحت قبة البرلمان، وصفع الجميع بكلمات لم ترق للأغلبية، لكنها لاقت ثناء المعارضة.

غرد محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية السابق: النائب أحمد الطنطاوي يتحدث بشجاعة وصدق معبرًا عن رأي كل من شارك في ثورة يناير بشأن التعديلات الدستورية، وارتأى الكاتب الصحافي، سليم عزوز، أن الطنطاوي قدم مرافعة متماسكة وهادئة ووقورة ضد التعديلات الدستورية، وأضاف عزوز أن طنطاوي (يغامر بموقفه هذا) مضيفًا أنه خيرٌ ممن وافقوا أو لاذوا بالصمت، ويتضح ذلك من قول عزوز بألفٍ مما تعدون).

هذا موقف المعارضة، أما الشارع ومواقع التواصل فكوكتيلك يا فرغلي، البعض يراها مسرحية ومتنفسًا لامتصاص غضب الشارع، وأنها قريبة نوعًا ما من لقاء عمرو موسى المتلفز مع شارلي روز ووزير خارجية حكومة الاحتلال، وأن شعبية طنطاوي ترتفع كما ارتفعت شعبية عمرو موسى. يرى آخرون أن طنطاوي يلعب دورًا في تجميل قبح النظام، وخلع بعضهم على كلمة طنطاوي لقب ديمقراطية مزيفة، ومنهم من بالغ في الثناء حتى التقديس، وأسرف فريق في مقصود طنطاوي حد التسفيه والازدراء، ولن يرضى عنك هؤلاء ولا هؤلاء حتى تتبع أجندتهم أو تتبنى مواقفهم!

لكنني ولأن طنطاوي صحافي، وللجمع بين ما ذكره وبين نصيحة موسى صبري؛ فقد أحببت أن أنقل للقارئ اللبيب مشهدين من المشاهد التي ألهبت مشاعر الشعب المصري، ثم كانت المحصلة صفر! وسترى أن مثل هذه المشاهد أحدثت زلزالًا شعبيًا يقارب ما أحدثته كلمة طنطاوي، وتزيد الأخيرة عما سبقها بقوة مواقع التواصل.

المشهد الأول

كتب ثروت أباظة مقالًا عنوانه «في أي شيءٍ صدق!» منتقدًا عبد الناصر، وظهر المقال بعد رحيل عبد الناصر، وأثار موجة من الجدل في الشارع المصري، وحدث أن التقى أباظة إمام الدعاة الشيخ الشعراوي في موسم الحج، وسمع خطبة الشعراوي في عرفات الله؛ فلما تصافحا وأبدى أباظة إعجابه الشديد بخطبة الشعراوي، ابتسم الشعراوي في تواضعه المعهود وهو يقول: أي خطبة يا مولانا! سمَّع عليَّ سمع، ودهش أباظة حين سمع مقاله بنصه وفصه من لسان الشعراوي. ونص المقال:

(أية غريبة أن يقال ما يقال؟ وما المال وقد سرق أمننا، ولص كرامتنا، وامتص دماء أبنائنا، أهدر علي رمال سيناء شرف مصر والعرب وتاريخ أمة ومستقبلها. وفي أي شيءٍ صدق حتى يصدق في ذمته؟ قال ارفع رأسك يا أخي! وحطم كل رأس فكر في الارتفاع أو فكر فقط، وأبى أن يجعل أحدًا من الناس أخًا، بل أرغم الجميع أن يكونوا عبيدًا له أو هم أعداء. قال ديمقراطية، ثم فشا وحده مسعورًا، منفردًا بالحكم، مسؤولًا وحده عن كل خفقة نفس في البلاد. وقال قضينا علي الاقطاع، فإذا بأصحاب الملايين في عهد الرأسمالية كانوا لا يتجاوزون أصابع اليدين عددًا؛ فأصبحوا 500 نتيجةً لعهده، ثروة الواحد منهم مهما تبلغ من الضآلة تلتهم ملايين الإقطاع جميعًا والاقطاعيين.

وقال ثورةً بيضاءَ ثم أهدر دماء الشباب في حروب اليمن وحربي سيناء من أجل مجده الشخصي، ومن أجل خراب مصر في دمائها ومالها وكرامتها. وأسال الدماء في خسةٍ غادرةٍ مجرمةٍ وراءَ أسوار السجون والمعتقلات. قال الشرف وهدد الرجال في عفة زوجاتهم وشرف أبنائهم وأخواتهم. قال تكافؤ الفرص وأغدق الأموال على أبنائه، حتى لقد كان الواحد منهم يلهو بقيادة طائرة لا يحلم أغلب الشعب أن يركبها مرةً في حياته، وتقدمت ابنة له تفكر في شراء أرض يتجاوز ثمنها 150 ألف جنيه، ولقب ابنه بالمليونير في إذاعة لندن، وسكب أموال الدولة على إخوته وعلى كلابه من ماسحي أحذيته ولاعقي نعاله؛ فهم ينبحون باسمه حتى اليوم وقد فجعتهم الفاجعة وزالت من أفواههم دماء الشعب التي أتاح لهم أن يمتصوها. يـؤيدهم في نباحهم فئة أخرى اعتدى عليهم في المعتقلات وجعل زوجاتهم بلا موئلٍ لطول حبس الأزواج ولحبس المال عنهم، ومع ذلك ينبحون باسمه مع كلابه النابحة؛ لأنه الحكم الجديد. قال الله وقال الحرية، وقال القانون، ونفذ ما قال وانتصر.

في أي شيء صدق؟ قال: الرجل المناسب في المكان المناسب، ثم اختار أهون الناس وجعل منهم رؤساء على العمالقة، ووضع في أغلب المناصب رئيسًا جاهلًا؛ لأن الجهلاء هم علماء النفاق؛ فانهار العمل في الحكومة وفي القطاع العام، وحين قال محافظ من علمائه: اعطِ القانون إجازة؛ رُقِيَّ إلى وزير؛ لأنه عبر عن شعار الدولة. في أي شيء صدق؟ دعا إلى الاشتراكية، وعاش وعاش خدمه والمحظوظون من أتباعه عيشةً تتضاءل عندها عيشة الفجار من العاهرين في الرأسمالية؛ فسمعنا عن فواكه تأتي بالطائرات، وعن سيارات نقل تحمل الفراء والسجاجيد. يعلن علينا حين يغضب عن الفاعل، ويستر علينا حين يترضاه ويضع رأسه تحت قدميه.

ألا إلى غير رجعةٍ يا زمن الهمس والصراخ، والنوم المفزع، والقلق الشائع، والخوف المبيد، والعرض المباح، والدم المسفوك، والشرف الجريح، واليوم الكالح، والغد العبوس، والحق المضاع. ويقولون اكتموا علي السرقات أن تذيع؛ فإنها إن شاعت أحجمت أموال العالم عن مصر والانفتاح. جهلوا الحقيقة! لن تأتي الأموال وأصحابها يعرفون أن اللصوص هنا تتخفى وراء الأستار، تحمل معها التشكيك في أمانة بلادنا. يوم تنكشف الحقائق ويعرف العالم أننا أصبحنا على الطريق القويم، شريفةً أيدينا، واثقةً نفوسنا، مطمئنًا اقتصادنا، يأتي إلينا أصحاب الأموال. شرفاء واثقون مطمئنون، والحق دائمًا بالدول أجد.

المشهد الثاني

وبطل المشهد، أحمد أبو الفتح، وقد كتب مقالًا حريفًا عنوانه أيها الباكون على الديمقراطية وشنَّ حربًا ضروس على أدعياء التعديل الدستوري، وأنقل لك المقال تاركًا لك الحكم على ما فيه:

أيها الباكون على الديمقراطية..

يقال إن الغرض من هذه التشريعات الجديدة، هو حماية الديمقراطية؛ فيا أيها الباكون على الديمقراطية، إن الديمقراطية تستنكر وسائلكم؛ فهذه الوسائل هي الحصن الحصين للشيوعية ومبادئها، وهي الوسائل الفعالة لإثارة البغضاء والكراهية ضد القوانين.

أيها الباكون على الديمقراطية..

هل تجولتم في القرى ودرستم حال السواد الأعظم من الشعب؟ ورأيتم كيف يبحث عن الخبز فلا يجده، ويلتمس الدفء من برد الشتاء القارس فلا يجده، وهل عرفتم كف تهد الأمراض بدنه؟! حتى صيرته هياكل متحركة، لا تجد دواءً، ولا تجد حتى الأسمال التي تستر بها أبدانها!

أيها الباكون على الديمقراطية..

هل عرفتم عدد المتعطلين من أبناء مصر؟ وكم أسرةٍ تبيت على الطوى؟ هل فكرتم كم عدد صرعى السل كل عام؟ وهل رأيتم ألوف المصابين كل عام بهذا الداء الوبيل الذين تلفظهم المستشفيات لعدم توافر أماكن لاستقبالهم؟

أيها الباكون على الديمقراطية..

هل تجولتم بعد منتصف الليل في أرجاء العاصمة، ومدن مصر كلها، ورأيتم تلك الكتل البشرية التي تفترش الشوارع والأزقة وقد تجرَّدت أجسادهم الهزيلة مما يسترها، وخوت بطونهم مما يسد الرمق؟ هل رأيتم كل هذا مما يملأ الصفحات من صنوف الذل والهوان، والجوع والحرمان، والمرض واليأس التي يعانيها السواد الأعظم من الشعب.

هل رأيتم هذا كله أيها الباكون على الديمقراطية؟ أم أنتم عنه في غفلة؟ وإن كنتم قد رأيتم؛ فأين أنتم؟! أين البرامج المدروسة وقد أخذت بها كل الدول إلا مصر؟ أين مشاريع التأميم الكبرى وقد نفذتها كل الدول إلا مصر؟ أين الاشتراكية الحقة وقد اعتنقتها كل الدول إلا مصر؟

أيها الباكون على الديمقراطية..

إن في الحياة المنحطة التي فُرضت على الشعب تكمن الشيوعية، وفي الخوف والمرض والجوع تترعرع مبادئها. إن في تشريعاتكم وقوانينكم وسجونكم تجد الشيوعية المرتع الخصب؛ فإذا كانت هذه وسائلكم في محاربة الشيوعية؛ فليطمئن كل داعية إليها وليقبع في داره، فليست الشيوعية في حاجة إلى من ينشر مبادئها ما دمتم موجودين تشرِّعون التشريعات وتسنون القوانين.

إن منطق هؤلاء المشرِّعين، هو أنه لا حول ولا قوة إلا بالقوانين والسجون! وهم لا يعلمون أن سجون مصر جميعًا لن تكفي الساخطين الثائرين، وهم لا يعلمون أنهم لو فتحوا في كل حي، وفي كل قرية، بل في كل حارة وزقاق، سجنًا؛ فإنهم لن يستطيعوا أن يوقفوا ثورة الجوع والحرمان واليأس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد