إن النهضة في العالم العربي لا يمكنها أن تبدأ من كل شيء، وفي كل شيء، بل تبدأ من أشياء محدودة شريطة الإنجاز والتميز فيها، فالتخصص هو أساس التمييز في عصر العلم. بهذه الكلمات يلخص العالم النوبلي المصري أحمد زويل رؤيته للتنمية في العالم العربي، ويدحض فكرة  الإصلاح التدريجي والتطور البطيء الذي ظل يسيطر على الرأي السائد عند المثقفين العرب، وهي النهضة الشاملة التي لم تأت إلا بنتائج عكسية، كما هو حالنا الآن.

وقد جاء زويل ليطرح مشروعًا شاملًا للتنمية، وذلك بصفته كريستوفر كولبوس لعالم الفيمتو كما وصفه مؤرخ العلم روبرت برادوسكي وبصفته أيضًا شهد تجارب نجاح دول وصلت لمصاف دول العالم، كماليزيا، وسنغافورة، والهند، وأيرلندا، وغيرها، وحظي بمقابلة زعمائها وملوكها بسبب علو كعبه في مجال العلم، وتنطلق رؤيته من بناء العلم والتكنولوجيا والمجتمع، أو فيما أسماها العديد من المعلقين ثلاثية زويل.

يحث زويل على ضرورة التركيز  بتأسيس مراكز مضيئة في العالم العربي تكون على أعلى المستويات من الناحية البشرية، وكذلك التكنولوجية مماثلة لمثيلاتها في الدول المتقدمة وتستقطب ما يمكن استقطابه من العقول الخبرات المتمكنة بحيث تكون أشبه بــ(جزر تقدم) يكون بمقدورها أن تجر خلفها ما يمكن جره إلى الأمام، وقد التقى فكر العقاد مع زويل، ومن قبلهم بقرون الفارابي، على هذه الدعوة الجزئية، لكنها أوقع من الأفكار الشمولية والطموحات الأوسع، والتي تبدو مستحيلة، أو أنها ستكون ممكنة بعد قرون، واستشهد كمثال بسيط على هذا بالقلاع الصناعية التي تنتج «السوفت وير» في بنجالور في الهند، وكذلك قصة شركة «سامسونج» في كوريا الجنوبية التي دفعتها الى الأمام.

يندد زويل وبشدة ضد فكرة المؤامرة التي استنزفت الطاقات العربية بلا جدوى، فالمصالح وحدها هي التي تسير أمور السياسة، وعلينا أن نعمل من هذا المنطلق لخدمة مصالح أمتنا، ويستشهد بالصحافة اليابانية بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية حيث لم  تنتقد أمريكا ليل نهار كما نفعل نحن – في العادة – وكانت متخلصة تمامًا من فكرة المؤامرة المزعومة، وسرعان ما عاد اليابانيون إلى غزو الأسواق الأمريكية، لكن على صعيد المنتجات هذا المرة ومن حسن حظنا كعرب أن التاريخ يقف دائمًا إلى جانبنا في جميع المجالات، أبرزها مجال الإبداع، ويستشهد بقول البروفسور لانداو (لا يوجد هنالك سبب للافتراض بأن العرب قد فقدوا قدرتهم على الإيمان أو الإبداع والخيال، فهم قد كانوا في حقبة من الزمن منهل (الخميرة الثقافية) العلم للغرب.

كان زويل دائمًا ما يدعو إلى ضرورة خلق ثقافة علمية تقدر أهمية الدين والعلم معًا، ويقول إن الإسلام ليس ضد التقدم كما يعتقد البعض مستشهدًا برئيس وزراء ماليزيا محمد مهاتير الذي أثبت ذلك، وليس هنالك علاقة بين الدين الإسلامي الحنيف والإرهاب، فالفقر واليأس في نظر زويل سببان أساسيان للإرهاب والاضطراب العالمي، وأن النهضة المرجوة ليست مرهونة أبدًا بشروط سياسية خارجية كما يتصور البعض، فهنالك دول كثيرة تخطت هذا الحاجز بنجاح والعقبة التي تعيق تقدمنا، ليست عدم توفر الموارد، بل في قلة المعرفة وقد دعا ابن خلدون العرب عند استشعاره بأفول نجم الحضارة إلى التمسك بتلابيبها، رغم أن تقديراته آنذاك بانتقالها من الضفة الجنوبية إلى البحر المتوسط إلى الضفة الشمالية، أي من العرب إلى أوروبا، وهذا ما حدث بالفعل.

يرى زويل أن العالم العربي يفتقر إلى قاعدة علمية وتكنولوجية متينة، وهذا ما كان جل اهتمامه، خصوصًا في أواخر عمره قبل رحيله المحزن، فالعلم والتكنولوجيا شرطان أساسيان للتقدم في هذا الوقت، وكذلك لا بد من حرية التفكير فلا يمكن  – حسب نظره – أن يبدع الخائفون، ولا بد لنا أيضًا من القضاء على البروقراطية التي تعيق التقدم، فالعلم ليس وهبًا أو عطاء بقدر ما يكون كسبًا أو اجتهادًا، و على الدول النامية أن تعد منزلها الداخلي، ثم البدء بتفكير جديد وعصري.

يلتقي زويل مع المفكر الجزائري مالك بن نبي في ضرورة أن نقبل على الحضارة  متفاءلين، لا متشائمين بالمستقبل، بشرط طرح قضية التنمية على بساط التخطيط من قبل أهل السياسة و يستشهد بنهضة ماليزيا وأيرلندا التي تمت في غضون 10 سنوات، وكذلك أمريكا التي نهضت في حوالي نصف قرن، وقد لخص بن نبي هذا في جملة: وهي: (توفير القوت والملبس، ثم طرح القضية على بساط التخطيط).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد