ربما هى لحظة ستظل عالقة فى ذكرياتي لأعوام وأعوام، ليست فى كوني مجتمع مع د.أحمد زويل للمناقشة والحوار فقط ، بل لكونه حلما تحقق بعد سبع سنوات كاملة، حين قرأت مقالاً يتحدث عن أحمد زويل، وما فعله العالم المصري من تغييرات فى علم الكيمياء، ولأني أعلم جيداً حجم الانتقادات التى يتعرض لها هذا الرجل، فهذه شهادتى أمام الله فى حق رجل أساء إليه الجميع.

أود لفت الانتباه إنه ليس بحاجة أبداً لشهادتي، وبالتأكيد لا ينتظرها، ولكني وددت عرض ذلك المقال؛ لأخذ العبرة والعظة من أهل العلم حقاً، ولعقد المقارنة مع من يدعون العلم، ويتحدثون به من أنصاف المتعلمين والمفكرين.

 

1- ثقافة الاعتذار

 

كان من المفترض أن يتم الاجتماع فى تمام الساعة الثالثة عصراً، ولكن نظراً لضغط الاجتماعات بمدينة زويل، حيث سبقه اجتماع مع الإدارة، ثم أعضاء هيئة التدريس، فالطلاب، تأخر موعد اجتماع مجلس الشباب الاستشارى لمدينة زويل، وهو الاجتماع المقرر لي حضوره.

فى تمام الخامسة أُخبرنا بالاستعداد لدخول إلى الحجرة المحددة، لم أتوقع ذلك قط، سيل من الاعتذرات بداية من المتحدث الإعلامي، مروراً بمديرة أعماله، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل هو أيضاً بعد تحيتنا جميعاً اعتذر عن التأخير، لا أتذكر أن حدث ذلك مع مسئول قابلته من قبل على كافة المستويات، بل أتذكر أن أحدهم  تأخر عن الموعد ساعتين ونصف تقريباً، ثم فوجئنا بالسكرتيرة تقول لنا: “استعدوا انتوا داخلين تقابلوا وزير!”، وكان رئيساً لإحدى الجامعات المرقومة.

 

2- تلقائية التعامل

 

 

تخيل معي عالم بحجم أحمد زويل، ويكفى أن تكتب الاسم فى محرك البحث جوجل لتعرف من هو ! يجلس مع شباب متوسط أعمارهم ما بين 20 : 25 عاماً، بل يصل أعمار البعض منهم إلى 17 عاماً!

فتجده يقوم بضبط ملابسه، وفك رابطة العنق، ووضعها فى جيبه، ربما هي أفعال بسيطة، ولكن لها مدلول كبير، فمثل هذه الأفعال تكسبنا نحن مزيداً من الثقة والراحة، لمناقشته بكل جدية، وكعادتى لا أنسى مثل هذه اللحظات، أتذكر مسئولاً رفض أن يجتمع بنا لكون ملابسه غير جاهزة!  وكان محافظاً لإحدى المحافظات المرموقة.

 

 

 

 

3- الرأى والرأى الآخر

 

 
لا أحد يمتنع، الكل يشارك برأيه وسط إنصات من الرجل الذى لا يكل ولا يمل، يعرض وجهة نظره، ودائماً ما يردد، ولكنى أود معرفة آرائكم أنتم، يستخدم ألفاظا مثل: “فكرتي، رأيي، وجهة نظري”، ويمتنع عن إجبارنا على فعل أو الاقتناع بشيء على الرغم من أنه يعلم جيداً أن رأيه سيكون مقبولاً لدى الجميع، هذه النقطة لا تحمل أي ذكريات معي؛ لأننا بالفعل نعيش ما يقابلها يومياً.

 

 

4- الحديث القليل المُركز

 

 

على عكس المتوقع كان قليل الكلام، فى الوقت ذاته الذى يعبر فيه عن الفكر بحديث مُركز للغاية، لديه القدرة على إيصال الفكرة بأقل وقت وجهد ممكن، لم يتحدث مطلقاً عن إنجازاته وشخصيته وأشياء من هذا القبيل، فالمناقشة كانت لأجل مدينة زويل كمشروع قومي، ولم يخرج مطلقاً عن هذا الحيز، وهنا لي ذكرى مع رئيس جامعة أخرى كنا نتحدث عن تطوير العملية التعليمية، وذهب لساعات يتكلم عن نفسه وعن إنجازاته وآرائه التى حتى الآن أشك فى صحتها.

 

5- عشق الوطن

 

 

 

دائماً ما يذكر الوطن فى حديثه، معبراً عن أمنياته له بالتقدم والرقي، ومؤكداً على وجوب العمل من أجل الوطن والشعب المصري، وطالبنا بأن نكون جميعاً، وهو فى مقدمتنا على من هو، ألا نخذل من وثق بالمشروع ومن وثق بفكرته النبيلة وأهدافه، كان يتكلم بلغة طيبة للغاية عن كافة المدن المصرية، وخص الصعيد والدلتا.

على عكس المُثار عنه بأنه رجل عربي الاسم أمريكي النشأة والطبع، لدرجة أنه كان يحاول يجاهد في الابتعاد عن اللغة الانجليزية فى حديثه طيلة الاجتماع.

 

6- احترام الجميع

 

ربما هذه النقطة أكثر ما لفتت نظري فى شخصية هذا الرجل، حينما كان يتحدث مثلاً عن علماء مصريين كـ : “عصام حجى ، مجدي بعقوب ، فاروق الباز ، … ” دائماً ما يلحق اللقب بالاسم فيذكر الدكتور مجدي يعقوب وهكذا.

الأمر لا يتوقف فقط هنا، بل أيضاً كان ينادى علينا بـ ” حضرتك” على الرغم من أن معدل الأعمار يكاد يكون أصغر من أصغر أولاده ، ويبقى الموقف الأكثر تأثيراً فى هذه الجلسة ، عندما تحدث أحد الزملاء وهو فى عمر السابعة عشر ، عن بعض النقاط السلبية فى الإدارة الخاصة بالمشروع ، والأهداف والرؤى ، وارتفعت نبرة الصوت قليلاً ، وتحدث بشىء من العصبية ، وكان رد الرجل عليه لطيفاً : ” كلام حضرتك ده مهم عندي ، وهيتم مناقشته فى اجتماعات الإدارة ، وأنا جاى هنا علشان أسمع منكم ، ونشوف ازاى نرتفع ونعلى بمشروع ممكن يكون نقلة علمية لمصر “.

هذه النقطة لا تحتاج لذكريات هى الأخرى؛ فقط جرب أن تتناقش مع شخص يتجاوز عمرك بقليل أو بكثير، واختلف معه ، سيكون الرد لطيفاً أيضاً : ” انت مش عارف حاجة ” .

ربما هذه لم تكن جميع النقاط ، ولكن أكثرها تأثيراً ، أتمنى أن تكون الذاكرة صادقة فيما قولته، وأؤكد أن ما ذُكر فى هذا المقال من نقاط مقابلة وعكسية حدث بالفعل ، ولم أرد ذكر الأسماء عينها حتى لا ننشغل بالأسماء ونترك الفكرة الرئيسة للمقال ، فهو فى النهاية توضيح لصفات عالم عظيم، شكك الجميع فى وطنيته وقدرته وعلمه ، والتزم الصمت طوال الأعوام السابقة ، لذا وجب التوضيح .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زويل, علوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد