مقدمة خاصَّة قابلة للشفقة

عشتُ أنا المُعترِف «أحمد حرَّاز» على هذه الأرضِ ثلاثين عامًا، لم أقدمْ فيها إنجازًا أدبيًّا حقيقيًا يرضيني. أنظرُ إلى المرآة في الصباحات المختلفة في بلاد الله المختلفة أتساءلُ: ماذا تركتَ لغدِك؟

أقولُ: أحلامٌ موؤدةٌ وانكساراتٌ عديدةٌ ونجاحاتٌ يعدُّها الناسُ عليَّ ولا أفهمُها! ورغبةٌ سابِقةٌ في أن أترك إرثًا إنسانيًّا على هذه الأرض.

أسألُ: وما الذي سيبقى من كلِّ ذلك؟

أجيبُ: لا شيء
أقولُ: إذن. أنا لا شيء!. حتى إشعارٍ آخرَ.

شتاء 2016

في الطريق الحدوديِّ إلى المملكة العربية السعودية وأثناء رحلة عُمرةٍ طويلةٍ، تغلَّبتُ على دقَّات الساعاتِ المُمِلَّةِ بـ«قهوة يورانيوم»، ولأنَّني غبيُّ بما يكفِي، فلم أقفْ بالطبع عند الجُملة التي سكنت جنبات الكُتيِّب، في صفحته الثانية والستين يقول الدكتور أحمد خالد توفيق:

 اليوم، كان من الوارد جدًّا أن يكون موعد دفني هو الأحد 3 إبريل بعد صلاة الظهر.. إذن كان هذا هو الموت، بدا لي بسيطًا ومختصرًا وسريعًا، بهذه البساطة أنت هنا، أنت لم تعدْ هنا، والأقربُ أنني لم أرَ أيَّ شيء من تجربة الدُنُوِّ من الموت التى كتبتُ عنها مرارًا وتكرارًا.

ورغم أني على عِلْمٍ بالموقف الذي استدعى من الدكتور كتابة هذه العبارة السابقة حيث كتبها بُعَيْد وعكة صحيَّة تعرض لها منذ ثماني سنوات تقريبًا، وتم إنقاذُه منها، غير أني نادمٌ أشد الندم على عدم الوقوف أمامها طويلا.  لماذا لا نصدق أدباءنا؟! لماذا نفترض أنَّ الأدب يحلِّق بنا بعيدًا، وأنَّ الأديب «مرِّيخيٌّ» قادم ليحصد معجبيه على الأرض؟! لماذا لا ندركُ أنَّ الكتابة تكشفُ ما لا يستطيع غيرها أن يكشف، لا أقصد الغيبَ بالطبع، لكنْ أقصدُ ما تمنحه الكتابة من بعدٍ آخرَ وعوالمَ أخرى من قراءة المستقبل بالذي يراه الأديب من واقعه. ربما تكمنُ المشكلةُ لدينا في أننا نقرأ حبرًا على ورق!

الخامسة والنصف فجرًا 3 إبريل 2018

استيقظت على وقع رسالةٍ كتبتها لي زوجتي تخبرني فيها بوفاة الدكتور أحمد خالد توفيق الليلة الماضية الأحد الموافق 2 إبريل (نيسان) 2018. يا إلهي. لم يكن يمزح الدكتور هذه المرَّة. لم يكن يمزح! كان الغريبُ متعطِّشًا للرحيل، ليس حُبًّا في الموت؛ فهو يخافُ منه كما أسلف قبلُ، لكنَّه رحل لأنَّ الستِّين ربما كانت ثقيلة على نفسه؛ ولأنَّه وكما قال قبل ذلك إنَّه سيتحسَّرُ على ما انقضى في العشرين حين يصل إلى الستين.

«بين الممرِّ لارميلك حالي!»

لا زلتُ أذكرُ تلك الوقفة الودودة التي كان يقفُها في الممرِّ بين كليتي الطب والصيدلة بجامعة طنطا، بجاكيت بسيطٍ ونظارته الشهيرة وتلك الابتسامة المصرية صاحبة حقوق الطبع التي غلب عليها الهمُّ كان يقف، لا مُتفلسِفًا ناظرًا إلى السماء ولا متلاعبًا بشعره القصير إمعانًا في إظهار العبقرية، ولا مُتأفِّفًا من الجهلة الذين تضجُّ بهم الدنيا، لم يكن ذلك كلُّه، كانتْ طلَّته تشبهُنا، يعاني مما نعاني منه ويكتبُ ما لا نقوى على كتابته.

عالم أحمد خالد توفيق

أعلم أنَّ طُوفانًا من الكتابات التي انهالت على مواقع التواصل بعد وفاة الدكتور قد عنيت بتخليد ذكراه وإعادة نشرِ أبرز مقولاته وأعماله الأدبيَّة، وهم بالطبع مُحقُّون، لكنَّ كل ذلك بالنسبة لي مُحتمَلٌ وعاديٌّ؛ فأنا لستُ من مُحبِّي الرُّعب ولا أدبه ولا خيالاته، لكنِّي يا سيدي لا أتمالك نفسي أمام أستاذ طب المناطق الحارة بجامعة طنطا الذي كتب رواياته الشهيرة في غرفة متواضعة تعلو سقفها «مروحة سقف» في وقت كان بإمكانه أنْ يكون من سكان «شارع النحَّاس» أحد أشهر الأماكن وأغلاها سعرًا في طنطا، كان بإمكانه لو انساق فقط للقطيع!

لن أسهب هنا فيما قدَّمه أحمد خالد توفيق لعالم رواية الجيب الصغيرة التي اعتبرها هو تسليةً بأقصر الطرق!، لكنِّي لا أتمالك نفسي أمام شخصٍ رفض أنْ يُطلَقَ عليه (عرَّاب الشباب) لأنه رأى أنه لم يقدم شيئًا يستحقُّ عليه هذا اللقب، ولأنَّ (الروب واسع عليه) كما وصفه هو في أحايين أخرى!

لم يخترع أحمد خالد توفيق أبحاث الميكرسكوب رباعي الأبعاد أو يطور آخر أبحاث النانو تكنولوجي، لكنه – ياسيدنا – أعطانا الأمل في وجود هياكلَ أدبية حقيقية بعيدة عن البلاستيكية، تشعر بما نشعرُ به وتعاني مما نعاني منه.

لم يقدم أحمد خالد توفيق للبشرية ما سينيرُ لهم غرف الحمام المظلمة، لكنَّه منحنا الفرصة لنرى أديبًا واحدًا لم يسَّاقطْ في بالوعة الشهرة، ولم يبدِّل قمصانه الكلاسيكيَّة رخيصة الثمن ولا سجائره العاديَّة ولا أحلامه التي تقاسمها معنا منذ طفولته حتى وصل إلى الخامسة والخمسين.

لم يحمل أحمد خالد توفيق سلاحًا ليرمي به أعداء الوطن المُتبقِّي، لكنَّه – ياعزيزي – صنع أبطالًا لرواياته الشهيرة تعيشُ كما نعيشُ، تنكسرُ وتُعِيد الكرَّة، يهربون من الواقع الجحيم إلى دنيا متخيَّلة وخيالات مشتهاةٍ، يمرضون والله كما نمرضُ، ويحلمون بما نحلُمُ، يأكلُهم العوزُ في آخر الشهر، أبطالٌ عاديُّون كصاحبهم العبقريِّ العاديِّ جدًّا جدًّا جدًّا.

 أنا من النوع المكتئب جدًا، وأجد أن الأمور بلغت قدرًا رائعًا من السواد، لهذا أحلم، كل شخصياتي هربت من واقعها إلى عالم الأشباح، إلى فانتازيا، إلى أحراش أفريقيا، لم تبق شخصية واحدة هنا!

بعبارةٍ سابقةٍ مثل تلك التي في الأعلى يمكن لنا أن نفهم لماذا نحبه؟ وبغبائك وغشوميَّة قلبك وصلفِك وتقليلِك من انكساراتنا وأحلامنا المؤجلة يمكن لك أن تفهم لماذا نكرهُك؟

إذنْ، لمَ تستكثرون علينا أنْ نرثيَه بأصدق ما يكون وهو الذي تماسك حتَّى النهاية؟!

لم أنظرْ إلى اعتذاره الشهير قبل عامين عن الكتابة في الذكرى السنوية لمذبحة #رابعة بصورةٍ مُؤدلَجة بحتة، فالرجلُ كما عهدناه دومًا ينحاز إلى الإنسان بغضِّ النظر عن ما يحمله هذا الإنسان من عقائدَ وفكر. علَّمنا الدكتور عبر مواقفه الكثيرة أنَّ الإنسانية ليست على المقاس ولا حكرًا على أحد. لذلك كان اعتذاره عن الكتابة تناغمًا مع ما يؤمن به ألَّا يعلو دمٌ على فكر. الدماء تختلفُ لكنَّ الإنسانيةَ واحدةٌ. لمْ يُصَفِّق لعالَم مبارك وقت أنْ هلَّل الجميع واشتروا رقابهم ببضع كلماتٍ على ورق أو بدقائق مديحٍ في التلفزيون الرسميِّ، وبينما كنا نعدُّ ونحصي الذين يخذلوننا، كان أحمد خالد توفيق في غرفته يبكي الذين سقطوا حتى ترتفع حنجرة #جمال_مبارك ويد #صفوت_الشريف!

على الهامش

«لا أعلمُ كيف يقضي سُكان #القاهرة حياتهم وسط هذا الزحام الخانق، أكادُ أزعمُ أنَّ تسعين بالمئة من أعمار القاهريين ضائعة في الانتقال من مكانٍ إلى آخرَ، أنا فخورٌ بأنني قدْ هربتُ من ندَّاهةِ القاهرة. #طنطا وإنْ كانت مُزدحمة لكنها تعطيك تسعين بالمئة لنفسك».

بهذه البساطة عبَّر الإنسان أحمد خالد توفيق عن موقفه من ندَّاهة الشهرة والقاهرة والسلطة ودوائرها ونوادي الروتاري… إلخ.

أحزان داخلية خاصة جدًّا

في العام ألفين وثمانية فقدتُ #محمود_درويش، وبعده بست سنوات ارتقت #رضوى، والآن يترجَّلُ آخرُ العباقرةِ العاديِّين، ليتركنا هنا وسط كل هذا العنت اليومي والعبث اللا مُنتهِي.

رحلَ صاحب العيونِ الخجولة والابتسامة المقهورة والملامح المصرية، لا فزع يا أبانا الخمسينيِّ، ها قد كانت جنازتك مهيبة، ولم ترَها رغم أنَّك أولُّ الحاضرين، وها قد كتب الشباب على قبرك: «جعل الشباب يقرؤون».

ليرحمْك اللهُ الذي خِفت لقاءه، ولتتركني أُهدهد في منامي صورة رضوى على سرير المرض الأخير تنظرُ إلى خبر رحيلك دامعةً، بينما ترنُّ في الخلفية كلمات درويش:

ذهبَ الذين تُحبُّهم. . ذهبوا
فإمَّا أنْ تكون
أو لا تكون.

وداعًا
أيها الغريبُ
كانت
إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة
عسى أن
تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا
كانت
زيارتك رقصة من رقصات الظل
قطرة
من قطرات الندى قبل شروق الشمس
لحنًا
سمعناه لثوانٍ من الدغل
ثم
هززنا رؤوسنا وقلنا إنَّنا توَّهمناه
وداعًا
أيها الغريب
لكن كل
شيء ينتهي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد