ليس شرطًا أن يكون الاحتلال هو: عُدوان على الرُقعة الجغرافية لاستنزاف خَيرات الأرض المُغتصبة فَحسب. فهُناك استعمار فِكري يفضي إلى خلل في المنظومة الوطنية، أكثر من ذلك الذي يُخلّفه اجتياح دبابات وجُنود العدو باستيطانهم في أراضي الوطن!

فأحيانًا يكون الغزو فكريًا. بتصدير ثقافات معينة، تحمل بين طياتها مجموعة من الأفكار المُلتهِبة، التي تُمكن العدو من استعمار العُقول، بدلا ًمن الاستعمار العسكري الذي ترفضه القوانين الدولية.
وهكذا يستطيع العدو تسخير جُنود له في تلك الأراضي، دونما عَناء ودونما دِماء.

وهكذا أيضًا تستطيع بعض الأنظمة إحكام السيطرة والقبضة على شعوبها، من خلال الاستعمار الفكري؛ طالما تَمتلك تلك الأنظمة مُقومات الإنتاج الفعلية. ولا سيما تلك المُقومات تَتمثل في توفير المواد الخام اللازمة لصناعة ما يلزمها من أفكار، والأيدي العاملة التي تقوم بعملية تصنيع الأفكار وتوزيعها على عامة الشعب.
ومن ضمن تلك المواد الرئيسية والمشاركة في تصنيع معظم الأفكار المطروحة في الأسواق، هُم:

مادة (الخطاب الديني)،

ومادة (الوهم)،

ومادة (الديمقراطية)،

ومادة (الإشاعات).

١- (الخطاب الديني):

الإعجاز في القرآن وليس في حامله. ولا أقصد بتلك العبارة إهانة مُتعمدة إلى أصحاب العمامات الدينية، لكنها دعوة للتفكير في معيارية قبول (بعض) آراء المشايخ من عدمها، إذا أحدثت هذه الآراء التواءً في عضلة الاقتناع. فأحيانًا تضطر الأنظمة للوصول إلى إجماع شعبي بخصوص أمر ما، فتُسخر الخطاب الديني؛ من أجل الوصول إلى مرادها.

فمن الغباء السياسي أن لا تستغل الأنظمة الفاشية هؤلاء المشايخ من أصحاب المبدأ الطرطوفي – المبدأ الطرطوفي هو: مبدأ رجل الدين الفاسد كما صوره الساخر الفرنسي موليير في روايته الشهيرة طرطوف – ليصبح هذا الشيخ هو تأشيرة العبور إلى عقول العامة بما يريد تطبيقه النظام قسرا بطريقة مرنة تلقى ترحابًا وحفاوة عند الغالبية، ولا سيما الفتاوى الدينية التي يلقيها الشيوخ على مسامع العامة لاستباحة كل جرائم الأنظمة الأخلاقية والسياسية.

لذا فإن كنت ضد النظام الفاسد فأنت تفهم خبايا ودهاليز النظام، وإن كنت مع النظام فهنيئًا لك بالنظام ومرحبًا بك عدوًا جديدًا لأعداء النظام. وإن كنت لا تبالي بالنظام فعفوًا لإيقاظك من غفلتك فأنت هدف لكل نظام.

٢- (الوهم)

اسقهم وهم يسقونك طاعة! كيف تَحصُد الأنظمة ثمار الطاعة من الشعوب؟

وللإجابة على هذا السؤال، وَجَب علينا تسليط الضُّوء على الدُّور البارز الذي تلعبه المنظُومة الإعلامية في تحريك رُكود المُنتجات تامة الصُنع في الأسواق، عن طريق تجديد السياسة البَيعية لتلك المُنتجات، مُستَهدِفة الطبقات محدودة الفكر؛ للتلاعب على وتر الحاجة لديهم.

فتَارة تجد الوهم يتسرب لعقولهم عن طريق عُروض الأمن والأمان المُغرية، وتَارة أُخرى عن طريق العجلة الاقتصادية، التي وجب علينا دفعها بالتكاتف الشعبي، وأحيانًا يتم توزيع الوهم في شكل أقراص المُؤامرة التي تُصبح فيما بعد إدمانًا حقيقيًا لبعض العقول؛ لذا إن أردت أن تُسيطر على قوم وتمحي أصوات العقل من رؤوسهم، سرِّبْ الوهم إلى نفوسهم!

أطعمهم وجبات الوهم المحشوة بالاستقرار، يجعلون منك (إلهًا) للوطنية. سلط أبواقًا من الغربان في صورة كروان؛ لتسحر آذانهم بوهم الانتماء المُزيف! ولا تعبأ بجرذان الطريق التي تُعارض سياساتك.

فأنت نبراس للعدل!

طالما استوطنت عقولهم بوهم الديمقراطية المُتقرحة.

3-(الديمقراطية):

الديمقراطية تحت الإبط والحرية في مُتناول اليد، فما إن سارعت لتتناول الحرية، سقطت عنك الديمقراطية. وريثما سقطت عنك الديمقراطية؛ فبالتأكيد أن الهيئة العامة لإسكان الشباب – المعتقلات السياسية – سوف تحتضنك، ليس لشيء سوي أنك لم تتبع سياسة ترشيد الاستهلاك!

فهيهات أن تتخيل أن الحرية متاحة لعطشك المقزز، بل وجب عليك أن تتناول جرعة صغيرة كلما ألح عليك الاحتياج، وفي الواقع بعضنا في احتياج إلى مزيد من تقليص الاحتياج!

فالحرية ليست مرتعًا يتسكع فيه الغواني، ولا هي بشجرة التوت التي تُسقط عسلها على راغبيها. ومن يعتقد أن الحرية حقٌّ مكفول لكل مواطن فعليه أن يتحمل جزاء اعتقاده، فهو الخائن والعميل ومن تدور حوله الشُبهات والإشاعات.

4- (الإشاعات):

من الذي هتك عرض الكلبة؟
لم يكن سؤالي هذا بفكاهة أدبية ولا هو سؤال سفسطائي كما الذي أفنى فيه البيزنطيون حياتهم، في بحثهم المفرط عن أيهما جاء من الآخر، البيضة أم الدجاجة؟!

إنما هو تجسيد للشارع السياسي، عندما يحاول النظام تمرير قضية ما أكثر أهمية من خلف الستار؛ لتجد المؤسسة الإعلامية التفتْ حول هذا الحدث؛ لتنفرد الصفحات والبرامج الحوارية بمناقشة قضية هتك عرض الكلبة؟ فياترى!

هل كانت (الكلبة) لعوبًا فأودى بها سلوكها الوضيع لأن تكتب على جسدها لافتة تحت الطلب، فيتهافت عليها كلاب الحانات؛ فإذا براغبي المتعة يتوافدون لقطف غرائزهم من شجرة سلوكها الملتوي؟ أم أن (الكلبة) تقيم في وكر من أوكار البغاء، وإذا كان رب البيت بالدف ضاربًا؟!

طرق عديدة يستطيع الإعلام أن ينتهجها لمناقشة القضية الأخلاقية (للكلبة)، وهو على يقين أن المجتمعات العربية تُطرب جدًا لسماع تلك الفضائح الأخلاقية، وهكذا يحقق هدفه في انشغال الرأي العام عن قضايا وطنية مُفجعة، ولا مانع من إلصاق تهمة هتك عرض الكلبة بمن يعارض النظام؛ لمجرد تشويه سمعته الأخلاقية، فيسقط من نظر مؤيديه وهي السياسة المُمنهجة التي يقوم بها أي نظام فاشي لتصفية أعدائه.

في إشارة منه بأن من يجرؤ على التحدي سوف يسقط في بئر الرذيلة، وسيرجم من كافة أطياف الشعب، أضف إلى تلك التهم الأخلاقية المريرة، تهم الخيانة والعمالة؛ لمجرد أن تقول لا في وجه نظام قمعي.

لذا فتوخَ الحذر قبل أن تصوب سهامك التخوينية تجاه أشخاص بعينهم.

والآن هل كل من يعارض الأنظمة خائن وعميل؟ سوف أترك لك الإجابة كما تراها أنت. وسوف أضع إجابتي كما أراها أنا.

ليس للكلبة عرض حتى يُنتهك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد