في يوم 14 فبراير من سنة 296 ميلادي تمّ إعدام القدّيس سان فالنتان بسبب منحه سرّ الزّواج للعشّاق المسيحيين في فترة كانت المسيحية مطاردة ومحاصرة وممارسة طقوسها يعاقب عليها واتّخذ هذا اليوم عيدا يحتفل به المسيحيون الكاثوليك وبعض البروتستانت سمّي باسم القدّيس سان فالنتان أو عيد الحبّ أو عيد العشّاق.

هو إذا عيد ديني مسيحيّ بامتياز خاصّ بالمتديّنين منهم، ويهمّ الكاثوليك والبروتستانت، مع استثناء الأرثودوكس الّذين يحتفلون به في 30 يوليو، فما الّذي يجعله ينتشر كظاهرة لافتة وكعلامة تحضّر وحداثة في عصرنا هذا؟ عصر العولمة والتوحّش الاستهلاكي.

أنت تحبّ..يعني أن تحتفل بعيد الحبّ!

كيف تحبّ؟ يعني أن تصطفّ في طابور لاقتناء وردة حمراء تقدّمها لمن تحبّ.. تدفع لذلك أضعاف قيمتها في حين كنت لا تنتبه للورد ولا لرمزية ألوانه.. وتقتني من محلّ العطورات والهدايا هدية (سلعة) كما يفعل الجميع، وأن تستدعي من تحبّ لاحد المطاعم الفاخرة لتأكلا ما طاب لكما من الطّعام، وربّما تشربان وتثملان على نخب الحبّ  لتكملا ليلتكما بممارسته وتصحو لتمارس الشّيء المعتاد: لهث وراء الحاجة.. توتّر وقلق وإجهاد وخصام وشقاق حتّى مع من كنت تهمس له بكلّ عبارات الحبّ المعلّبة.. عبارات فقدت خصوصيتها ورمزيتها وأفرغت من معانيها وصارت هيكلًا بلا روح.

وحتّى إن لم تكن قادرًا على ممارسة هذه الطّقوس النّمطية واقعيًّا فصار بالإمكان فعلها افتراضيًا، فشبكة الاتّصالات الحديثة توفّر لك ذلك.. المهمّ أنّك ستدفع، وأن يتضخّم دينك لتنخرط بشكل نهائي في منظومة الاستعباد: مجرّد رقم لعبد في القطيع.

هو الحبّ النّمطي المعولم المعولب في عصر العولمة والاستهلاك المتوحّش، فكيف تمكّنت ماكينة الراسمالية المتوحّشة من تدجين الإنسان وجعله عبدًا للحاجة والسّلعة؟

الإنسان ككائن حيّ له حاجات، اختلف العلماء في تحديدها، طبيعتها او إمكانيّة توليدها (عن طرق التكيّف والتعلّم) وقد اتّفق العديد منهم على بنيانها الهرمي، من حاجات البروتوبلازما (البيولوجية)، الحاجة إلى الحماية والوقاية، الحاجة إلى الانتماء والحبّ، الحاجة إلى تحقّق الذّات، واخيرُا وأهمّها الحاجات المعرفيّة.

تؤدّي الحاجة إلى استثارة الدّافع ممّا يدفع بالكائن للبحث عن مشبع (الحافز) وهي عمليّة نفس – جسدية طابعها التوتّر وعدم الاستقرار، إشباع الحاجة والتخفيف من الدّافع يتمّ عن طريق النّشاط الاستهلاكي وهو نشاط غير مرشّد وقد يخرج عن السّيطرة وقد يترتّب عنه مشاكل صحّية جسدية ونفسية مع سوء تصرّف مالي وسلوكيّات هروب أو تحويل مع ازدياد حالة التوتّر والقلق الّذي يدفع إلى مزيد من الاستهلاك.. وهكذا .. تيه في دائرة مغلقة وغرق في المديونية وفي مشاكل لا حصر لها تجعل الإنسان عبدًا لمنظومة متوحّشة تتحكّم في كلّ هذه الميكانزمات وقادرة على تحفيز الحوافز وتوليد حاجات جديدة، وخصوصًا بتفعيل مولّدات القلق والتوتّر والخوف لمحوريّتها وأهمّيتها في النّشاط الاستهلاكي.

فنحن نحتاج لما يسدّ رمقنا فتوضع العراقيل لإشباع حاجتنا (الاكتفاء الذّاتي الغذائي)، ويقع تفقيرنا ونهب ثرواتنا ومع ذلك يزيد استهلاكنا لما ينتجونه.

ونحن ايضًا نحتاج للحماية والوقاية أفرادًا ومجموعات فتوضع تلك الحاجة في موضع شكّ بخلق بيئة يشعر فيها الفرد أو المجموعة بالتّهديد الّذي يصل إلى الحدّ الوجودي كما في حالة الإرهاب فيلجا إلى مزيد من الاستهلاك، وإلى التشبّث بمن يمنحه الحماية.

كما أنّنا أيضًا في حاجة إلى الانتماء وللحبّ فتضرب الرّوابط المجتمعية، وصولًا إلى نواتها (العائلة) وتدنّس الأحاسيس والمشاعر الإنسانيّة لتصبح ركيكة ولا تؤدّي وظيفتها، سلعة رخيصة يسوّق لها من لا يعرف كيف بحبّ ولا يعترف بالحبّ.

أمّا عن تحقّق الذّات والحاجات المعرفيّة فهما عصيّتان على الوصول إليهما بعد أن تمّ قطع الطريق على مريدها وإغراقه في ظلمات  البحور الّتي سبقت بما يعني أنّ عبد عصر التوحّش الاستهلاكي لا يمكنه أن يشعر بحالة الرّضا عن الذّات(السّعادة) أو أن يفكّر في أنّ له حاجات معرفيّة عليه إشباعها وربّما ينبلج له وعي يحرّره من نير الاستعباد.

عندما يصير أسمى ما يشعر به الإنسان سلعة، وعندما يصبح الإنسان نفسه سلعة، فلن احتفل بعيد حبّكم.. فكلّ أيّامي أعياد حبّ.. ولأني لا أحبّ كما يحبّون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد