يعتبر القلق الإنساني والفضول العلمي أحد العوامل المساهمة في بناء تصور مستقبلي، يجعله مهتمًا بمؤشرات ومعطيات دقيقة جدًا تولد لديه انطباعًا استشرافيًا للأحداث والسيناريوهات المتوقع حدوثها، مما يساهم في بلورة حلول استباقية لمواجهتها والتي تحدد سلوك الدولة عن طريق مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، بهدف التكيف والانسجام مع التحديات المستقبلية. ونظرًا لأهمية المستقبل لدى الدول المتقدمة والذي يظهر جليًا في الميزانيات الضخمة، والمخابر العلمية التي أسست لمثل هذه الدراسات والتي تمس جميع الميادين، بعدما كانت مقتصرة في بداياتها على الجانب العسكري فقط.

يهتم علم الدراسات المستقبلية بمجمل القطاعات، لكن يستثني بعضها نظرًا لأهميتها في المستقبل ولقد حددها العلماء تحت مسمى القطاعات الحيوية والممثلة في قطاع التكنولوجي، والذي من خلاله يسهر المختصون في إيجاد الأنظمة الذكية لتطوير الحكومات العالمية من خلال دراسة الطرق الحديثة وآليات تفعيل رابط الثقة بين المجتمع والحكومة، ففي ظل فشل الحكومات وتعاقبها جعل من المفكرين السياسيين يهتمون بهذا الموضوع لأن الحكومة هي الواجهة التنفيذية للبرامج التنموية، وبتالي أي فشل لهذه الحكومات والسياسات هي بمثابة فشل التنمية والتطور لذا استدعى إلى صياغة آليات ابتكارية تجعل من الحكومة قادرة على إدارة الأزمات قبل وقوعها عن طريق الاستشراف،كما أن تقديم الخدمات والتي تعتبر أحد أهم وظائفها قد تغيرت،فمطالب المجتمع في القرن الماضي أصبح مغايرًا، وبالتالي سيجعل السلطة التنفيذية أمام مطالب إرباكية جديدة تحد من بقائها واستمرارها.

إن الاهتمام بالعلم هو الآلية الوحيدة للخروج من مجمل التحديات والأزمات مهما كان نوعها، فقد أصبحت الدولة الذكية أحد أهم المتطلبات العصرية نتيجة لدورها الفعال في ضمان الرفاهية للشعوب لكن هذا المتطلب لن يحدث إلا في ظل ثورة ذكية يشهدها المجتمع بحد ذاته، ليتبع بعدها نسقًا معرفيًّا وسلوكًا حضاريًّا يؤهله أن يكون عنصرًا هامًا في بنائه، لأن الدولة الذكية ترتكز على مجموعة من الفواعل أهمها المواطن الذكي الذي يكون ذا قدرة علمية وفكرية، وفاعلًا في عملية التنمية المحلية من خلال فهمه العميق للتحولات الحاصلة والاستغلال الأمثل لها.

وبناء عليه، يجب الاهتمام برأس المال البشري عن طريق غرس مجموعة من القيم والمتطلبات الجديدة، والتي تفعل المسؤولية الاجتماعية بجميع أبعادها، مما يساهم الفرد بسلوكياته الحضارية في دفع عجلة التطور ومراقبة مدى جودة الفعل الحكومي من خلال التغذية الاسترجاعية القائمة على مؤشرات حقيقية معلومة، تبتعد كل البعد عن الخطابات المطمئنة غير المدروسة. وبالتالي تصبح الدولة أكثر استقلالية عن السلطة أو الأنظمة الحاكمة القابلة للمساءلة في حالة فشلها أو عقم برامجها.

في خضم التحولات الكبرى على المستوى القاعدي والذي أتاح لتغيرات جوهرية للشعوب، فتح الفرصة أمامهم للمناداة لثورة ذكية تبتعد كل البعد عن الثورات السابقة، التي فشلت في تحقيق الوعود المراد الوصول إليها، نظرًا لانحرافها في إطار ما يسمى باغتيال الثورات. مما استوجب التطرق لهذه الثورة الذكية التي تهتم بالقيم المعرفية المستقبلية من أجل الحفاظ على سيرورتها تحقيقًا لرفاهية الشعوب فالولايات المتحدة الأمريكية وفي سابقة من نوعها أصبحت المؤسسة العسكرية ممثلة في جهازها الأمني swat ودخولها في حروب افتراضية عن طريق المتحف الرقمي الحربي.

وفي نفس السياق يمكننا التوصل إلى مدى أهمية متطلب الدولة الذكية مستقبلًا، نظرًا للدور الذي سيلعبه العلم كمحدد مصيري، حين تصبح الكفاءات الأكادمية والفكرية المكونة للنخبة العلمية في عملية تواصلية مع الزمن، لترفع بدورها تحدي التنمية بجميع أشكالها لأن المؤشرات العالمية تؤكد فرضية عدم بقاء الدولة بالمنظور التقليدي، بدليل أنها لم تستطع مسايرة الموجات الجديدة التي فرضها هذا العصر المتحول، لكن يبقى تساؤلنا المشروع ما موقع الدولة الجزائرية من هذا التحول؟ وهل يمكننا صياغة سيناريوهات متوقعة تساعدنا في بلورة حلول استباقية تحافظ على الأبنية المؤسساتية وترتقي لتطلعات الشعب لتضمن حقه في العيش الكريم والرفاهية الاجتماعية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد