لا حاضر لأمة تنسى ماضيَّها، ولا مستقبل لأمة تنسى فضائلها، ولقد أنجبت هذه الأمة لنا نساءً كريمات طاهراتٍ عفيفات، سيقف التاريخ على سِيَرِهُم العَطِرَةِ وأيَّامِهم النَّيِّرة.

ولقد منَّ الله على عباده أن بعث فيهم نبيَّنا محمدًا، صلى الله عليه وسلم، ليهديَهم إلى سبيل الرشاد، يتلو عليهم آياته، ويزكِّيهم ويعلِّمهم ما لم يكونوا يعلمون؛ فهو صلى الله عليه وسلم خير الأنبياء، وشريعته أتمُّ الشرائع، وأمَّته خير الأمم، وكتابه خير كتاب، فقد أدى صلى الله عليه وسلم الأمانة على الوجه الأكمل، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأقام الله به الملَّة العوجاء، وأقام العبودية لله، ففتح الله به قلوبًا غُلفًا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عُميًا، وتركَنا على المحجَّة البيضاء، لا يَزيغ عنها إلا هالك. واتبعه على منهجه، والقيام بدعوته أفضل البشر بعد النبيِّين والمرسَلين، وهم صحبُه الكرام، رضي الله عنهم، تعلَّم هؤلاء الصحابة من نبيِّهم، صلى الله عليه وسلم، وتربَّوا على يديه، فكانوا خيرَ القرون، حتى وردَت آيات القرآن الكريم بالثناء عليهم؛ فإنَّ الله رَضِي عنهم ورضوا عنه، وأنه ألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقَّ بها وأهلها، وأنهم هم الصادقون.

وقرَن الله لرسوله، صلى الله عليه وسلم، زوجاتٍ طاهرات، صالحات أن يكنَّ قدوة لغيرهن، وعلَّمهن وأدَّبهن، ووعَدهن مضاعفة الثواب لمن تتقي ربها، كما حذرهن مضاعفة العقوبة كذلك لأنهن في مكان القدوة، فلسن كأحد من النساء، كل هذه التوجيهات ليذهب عنهن الرجس؛ قال الله تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 30 – 33).

وهكذا أتم الله النِّعمة، فبعث لنا رسولَنا، صلى الله عليه وسلم، الطيِّب الطاهر، وأيَّده بصحبِه الطيبين الطاهرين، وبزوجاته الطيبات الطاهرات. ولكن أبى أعداء الدين إلا أن يُثيروا من غبارهم؛ ليعكروا صفاء هذا النقاء، ويبثُّوا الخلاف والشِّقاق بين أبناء المسلمين، وكان من أعنف ما رمَوا به الإسلام، أنهم حاولوا أن ينالوا من بيت النبوَّة، فحاولوا في مؤامرة فاشلة أن يتَّهموا أفضل زوجاته، صلى الله عليه وسلم، وهي أمُّ المؤمنين عائشة، رضي الله عنها.

في هذه الأيام وغيرها من الأيام من قبل ومن بعد، يظهر أُناس لا يُعرف نسبهم من أين ويتزوجون زواجَ المُتعة الذي حرّمه الإسلام، وبذلك هم حاقدون على الإسلام وأهله، وعلى نساء بيتِ النبي، صلى الله عليه وآله وسلّم، وإنَّ أمَّنا عائشة – رضي الله عنها – الصدِّيقة بنت الصدِّيق، رضي الله عنه، هي التي أصابها الحظُّ الأوفر من الطعن في عرضها، والتي هي زوجة نبيِّنا الكريم،  صلوات ربّي وسلامه عليه، ومن هؤلاء القوم الكافرين المُجرمين الروافض الشيعة، الذين صبُّوا جامَ غضبهم على أزواجِ النبي، صلى الله عليه وسلّم، وعلى صحابته الكرام، وفي هذه المقالة لنتعرَّف إلى أمِّنا، رضي الله عنها، فهي كالسحاب لايضرُّها نبحُ الكلاب.

من هي أم المؤمنين، عائشة، رضي الله عنها؟

هي الصدِّيقة بنت الصدِّيق أم عبد الله عائشة بنت أبي بكر بن أبي قُحافة، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكِنَانية، ولدت في الإسلام، بعد البعثة النبوية بأربع أو خمس سنوات.

عقد عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل الهجرة ببضعة عشر شهرًا وهي بنت ست سنوات، ودخل بها في شوّال من السنة الثانية للهجرة، وهي بنت تسع سنوات.

وقبل الزواج بها رآها النبي – صلى الله عليه وسلم – في المنام، فقد جاءه جبريل  عليه السلام، وهو يحمل صورتها إليه ويقول له: «هذه زوجتك في الدنيا والآخرة»، رواه الترمذي وأصله في الصحيحين.

ولم يتزوج، صلى الله عليه وسلم، من النساء بكرًا غيرها، وهو شرفٌ استأثرت به على سائر نسائه، وظلَّت تفاخر به طيلة حياتها، وتقول للنبي – صلى الله عليه وسلم -: «يا رسول الله، أرأيت لو نزلتَ واديًا وفيه شجرةٌ قد أُكِل منها، ووجدتَ شجرًا لم يُؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟» قال: «في التي لم يرتع منها»، وهي تعني أنه لم يتزوج بكرًا غيرها، رواه البخاري، وتقول أيضًا: «لقد أُعطيت تسعًا ما أُعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران – ثم قالت: لقد تزوجني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بكرًا، وما تزوج بكرًا غيري».

وكان لعائشة، رضي الله عنها، منزلة خاصة في قلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم –لم تكن لسواها، حتى إنّه لم يكن يخفي حبَّها عن أحد، وبلغ من حبِّه لها أنه كان يشرب من الموضع الذي تشرب منه، ويأكل من المكان الذي تأكل منه، وعندما سأله عمرو بن العاص، رضي الله عنه: «أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ «قال له: عائشة» متفق عليه، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يداعبها ويمازحها، وربَّما سابقها في بعض الغزوات.

مكانتها العلميَّة:

• عائشة، رضي الله عنها، من المُكثِرين على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء منهم: أنسٌ، وجابر، وابن عبَّاس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة.

• وأما مركزها في مرويَّات الكتب الستة، فمرويَّاتها فيها تأتي في الدرجة الثانية بعد أبي هريرة، رضي الله عنهما. «فمجموع أحاديث أبي هريرة في الكُتب الستة: (3370) ثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعون حديثًا.

ومجموع مرويات عائشة رضي الله عنها (2081) ألفين وواحد وثمانين حديثًا» مروياتها في الصحيحين:

قال الذهبي، رحمه الله: «اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا، وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثًا».

أي إن مجموع أحاديثها في الصحيحين: (299) مائتا وتسعة وتسعون حديثًا.

والحديث عن فضائلها لا يُملّ ولا ينتهي، فقد كانت، رضي الله عنها، صوّامة قوّامة، تُكثر من أفعال البرِّ ووجوه الخير، وقلَّما كان يبقى عندها شيءٌ من المال لكثرة بذلها وعطائها، حتى إنها تصدّقت ذات مرّة بمائة ألف درهم، لم تُبق منها شيئًا.

وقد شهد لها النبي – صلى الله عليه وسلم – بالفضل، فقال: «فضلُ عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» متفق عليه.

ومن فضائلها قوله – صلى الله عليه وسلم – لها : «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله» متفق عليه. وعلى الرغم من صغر سنّها، فإنها كانت ذكيّةً سريعة التعلُّم، ولذلك استوعبت الكثير من علوم النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى أصبحت من أكثر النساء روايةً للحديث، ولا يوجد في نساء أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – امرأة أعلم منها بدين الإسلام.

وقال الزُّهري: «لو ُجمع علم نساء هذه الأمة، فيهن أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – كان علم عائشة أكثر من علمهنّ» رواه الطبراني.

وإلى جانب علمها بالحديث والفقه، كان لها حظٌّ وافرٌ من الشعر وعلوم الطب وأنساب العرب، واستقت تلك العلوم من زوجها ووالدها، ومن وفود العرب التي كانت تقدم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم.

ومن بركتها، رضي الله عنها، أنها كانت السبب في نزول بعض آيات القرآن، ومنها آية التيمم، وذلك عندما استعارت من أسماء، رضي الله عنها، قلادة، فضاعت منها، فأرسل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعض أصحابه ليبحثوا عنها، فأدركتهم الصلاة ولم يكن عندهم ماءٌ فصلّوا بغير وضوء، فلما أتوا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، شكوا إليه، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: «جزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لكِ منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة» متفق عليه.

وعندما ابتليت رضي الله عنها بحادث الإفك، أنزل الله براءتها من السماء قرآنًا يتلى إلى يوم الدين، قال تعالى:

«إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) ) لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ».

(النور: 11-12).

وقد توفِّيت سنة سبع وخمسين، عن عمر يزيد على ثلاث وستين سنة، وصلَّى عليها أبو هريرة، ثم دفنت بالبقيع، ولم تُدفن في حجرتها بجانب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقد آثرت بمكانها عمر بن الخطاب، فرضي الله عنهما وعن جميع أمهات المؤمنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد