شخصية مثيرة حيكت حولها الأساطير، ودارت حولها الأقاويل؛ مجدها البعض حتى وصلوا بها إلى مرتبة الأنبياء والمرسلين، وحط من مكانتها آخرون فوصفوا صاحبها بأنه «شاذ في عقله شاذ في خلقه منحدر إلى الحضيض في بعض تصرفاته»، إنه الملك أخناتون «أمنحوتب الرابع» الذي يعني اسمه: «آمون راض».

كان أخناتون شخصًا نحيفًا، طويل القامة، منحني الظهر، ذا أكتاف ضيقة وأرجل رفيعة وطويلة، كان وجهه طويلًا وعيناه كبيرتين غائرتين، فقد كان يعاني من ضعف ومرض لازمه طوال حياته .

ولد أمنحوتب ونشأ في مدينة «أرمنت» بالقرب من طيبة «الأقصر حاليًا» عام 1389 ق.م، ونشأ مرهف الحس دائم التفكير شارد الذهن، وفي أغلب أوقاته كان صامتًا مترددًا متطلعًا لقرص الشمس المستدير الذى صور أشعتها فيما بعد على جدران معبده؛ كما لو أنها أذرع طويلة تنتهي بأيد تلمس جميع المخلوقات في سعادة وهناء!

دعا أخناتون إلى عبادة «آتون» إلهًا واحدًا ليس له مثيل، وأقام له معبدًا بطيبة، وأهمل معبد «آمون»، وسمى مدينة طيبة باسم «ضياء آتون»، ولم يرض أخناتون بأفعال كهنة آمون وضغطهم على الأفكار باسم الدين ونشر الفساد السياسي وقال قولته المشهورة: «إن أقوال الكهنة لأشد إثمًا من كل ما سمعت»، وقد رأى كهنة آمون في هذا الأمر خطرًا وتهديدًا حقيقيًا لهم ولمعبودهم؛ فبدؤوا يتهامسون ويدبرون المكائد.

ولم تكن دعوته تلك تنصب على المعتقدات الدينية فقط، بل تعدت ذلك لتغيير شامل لكل مظاهر الحضارة، وتمثلت أصول دعوته في «الحقيقة والواقع»، فاعتمد في إقناع تابعيه على البراهين الظاهرة الدالة على سلطان معبوده، ولم يتخذ لمعبوده هذا شكلًا حيوانيًّا كغيره من أرباب مصر القديمة.

ولم يكن أخناتون من الشخصيات التي تواجه التحديات أو تعمل على حل المشكلات؛ بل كان يسعى دائمًا إلى الهدوء والسكون وينشد المودة والسلام؛ لذا فإنه آثر البعد عن موطن القلاقل بطيبة فتركها ومعبودها واتجه نحو مدينته الجديدة التي أنشأها وهي مدينة «أخت– آتون» «تل العمارنة بالمنيا حاليًا»، وهي تبعد عن طيبة شمالًا 250 ميلًا.

انشغل أخناتون بديانته تلك عن أمور الدولة وشئون الحكم؛ حتى إن سفراء البلاد وحكام الولايات يأتون إليه شاكين من التهديدات الخارجية التي تتعرض لها ولاياتهم فلم يستطع أن يقدم لهم غير الترحاب والهدايا، وذهبت نداءاتهم واستغاثاتهم أدراج الرياح، فازدادت قوة الحيثيين وغيرهم في آسيا وتحدوا سيادة مصر وممتلكاتها الخارجية!

وعند محاصرة القدس استغاث حاكمها به طالبًا النجدة كما يظهر ذلك من خلال رسالته التي أرسلها إلى كاتب الملك: «إن كل بلاد سيدي الملك في طريقها إلى الخراب، أخبر الملك صراحة أن بلاده في طريقها إلى الضياع»!

كما استجار به حاكم مدينة «جبيل» في لبنان، ورجاه أن يرسل له جيشًا لنجدته قائلًا له: «إنني في مدينة جبيل هذه مثل طائر وقع في الشرك»، ولما لم يستجب لرجائه بعث إليه برسالته الأخيرة المحزنة: «إن لم تأت نجدة فإني إذن رجل ميت»!

ولم تكن العواصف تعصف بالإمبراطورية المصرية من الخارج فقط، بل توالت الأنباء المقلقة من داخل مصر أيضًا؛ إذ سخط النبلاء المقيمون بطيبة وازدادت قوتهم، وخرج الكهنة من مخابئهم وأعادوا عبادة آمون المحظورة، وتجاهل أخناتون هذه المعارضة ورفض أن يواجهها، كما رفض أن يوجهه أحد للنظر في تلك المشكلات!

وازداد الأمر سوءًا عندما ماتت ابنته الكبرى «مكت– آتون» علاه الهم والغم والارتباك، وزاد وجهه نحولًا ولم تعد عيناه تتلألأن في ضوء الشمس، وقد بدا عليه الضعف حتى تجاه عقيدته ودعوته بعد أن أنهك بدنه وأفنى جسمه في إقناع الناس بها!

ولم يستطع أحد أن يُخرج الملك من حياة الوهم التي كان يحياها حتى ضاعت الإمبراطورية التي أنشأها أسلافه، وبدأ في الهروب من هذا الواقع المؤلم إلى الملذات واحتساء النبيذ والاستماع إلى الموسيقى، وبدأ أثناء ذلك في تبادل الرسائل مع كهنة آمون بطيبة محاولًا أن يصل معهم إلى اتفاق شريطة أن يتركوه وشأنه وأن يسمحوا له بالاحتفاظ بعرشه!

وبالرغم من أن الإصلاح الديني الذى جاء به أخناتون أخذ جُل وقته، فإن السكان العاديين في المملكة ظلوا على عقيدتهم التقليدية بالتعبد إلى آمون وتقديم القرابين له وطلب الشفاعة منه، وهذا ربما كان بسبب أن الإصلاح الذى جاء به كان إصلاحًا فوقيًا جاء من سلطة عليا!

وفي عام 1358ق.م؛ مات أخناتون بعد أن أنهكه المرض وبلغ به الحزن مداه، ودمرت مدينته «أخت– آتون»، وظلت مرتعًا للحيوانات المفترسة والطيور الجارحة والحشرات والزواحف القاتلة!

مات الملك بعد أن حكم 17 عامًا، واختفى دون أن نعلم ما حدث له في نهاية عمره، غير أن بعض الباحثين رجحوا أن موته كان نتيجة لمؤامرات ودسائس دبرت لقتله، كما اختفت مقبرته فلم يعثر عليها حتى الآن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- سيريل ألدريد، أخناتون، ترجمة: أحمد زهير أمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1992
2- عبدالمنعم أبوبكر، أخناتون، دار القلم، القاهرة1961
3- ونفر هولمز، كانت ملكة على مصر، ترجمة: سعد أحمد حسين، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة 1998
عرض التعليقات
تحميل المزيد