كان عالما متداعيا قد شارف النهاية، خلاصة ما يقال فيه أنه عالم فقد العقيدة كما فقد النظام.

هكذا استهل الكاتب عباس محمود العقاد كتابه عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم. والذي ألفه بعد ثلاثين سنة من اقتراح أحد إخوانه وأصدقائه بكتابة كتاب عن محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك إثر حادثة وقعت له وجماعته في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم من أحد المتحذلقين الذي تطاول على عرض الرسول بكلمات من سوء الأدب وسوء الذوق وسوء الطوية، ولكن شاءت الأقدار أن يتم هذا المشروع للعقاد بعد ثلاثين سنة من هذه الحادثة، لأنه وكما قال احتجت إلى السنين الثلاثين أضيف خبرتها وقراءتها ورياضتها النفسية والفكرية إلى محصول ذلك العمر الباكر، لأنه عمر يستطيع المرء أن يتملي فيه إعجابا بمحمد، كما برر عدم الكتابة في تلك السنين بصغر سنه لأنها سن الإعجاب والحماسة الروحية، سن العاطفة الشخصية واللاموضوعية.

أين كنا قبل تلك السنين الثلاثين؟ تساءل العقاد، يجيب: إنها مسافات في عالم الفكر والروح، كم رأي؟ كم مذهب؟ كم وسواس؟ كم محنة؟ كم مراجعة؟ وكم يضيف ذلك كله إلى الشباب الباكر الذي كان يحلم يومئذ بالعظمة في كل أوج، وبالأوج المحمدي في عليا مراتب الأنبياء.

الخيرة في الواقع، الخيرة في ذلك التأخير. هكذا برر العقاد تأنيه وصبره في التعرض للسيرة المحمدية استزادة في الوعي، وروية في الإقدام، وتوطيدًا للرأي وتهدئة للعواطف.

ولم يكن كتابه عن محمد صلى الله عليه وسلم كتاب سيرة تضاف لمجموع السير، ولا شرحًا للإسلام وأحكامه، أو دفاعا عنه أو مجادلة لخصومه، وإنما الكتاب تقديرًا لعبقرية محمد بالمقدار الذي يدين به كل إنسان ولا يدين به المسلم وحسب. فمحمد هنا عظيم، لأنه قدوة المقتدين في المناقب التي يتمناها المخلصون لجميع الناس، عظيم لأنه على خلق عظيم.

والسبب الآخر أن الناس قد اجترؤوا على العظمة في زمانا بقدر حاجتهم إلى هدايتها، وكما قال العقاد إنه لنافع لمن يقدرون محمدًا، وليس بنافع لمحمد أن يقدروه.

وكان كتاب عبقرية محمد الرد الوافي الشامل، على أولئك المتحذلقين المدعين الذين يتظاهرون بالمعرفة، ويحسبون أن التطاول على العظماء، بل وعلى الأنبياء، سمة من سمات المدنية والتقدم والحضارة، ولازمة من لوازم الاطلاع والفلسفة والعلوم الحديثة، وإنه لرد مقنع مفحم، للذين يتعلقون بشعارات غريبة ومفاهيم مضللة تنادي بأن الجديد يطغى على القديم أيا كان بل ويلغيه.

وقسم العقاد الكتاب إلى أربعة عشر فصلًا، واستطال في فصلي عبقرية محمد العسكرية ومحمد الزوج، كما حاول جاهدًا إبراز يوم الغار كيوم النصر العظيم، حيث يقول: «ليس يوم أحق بالتأريخ من ذلك اليوم»، الذي تجلت فيه قوة الإيمان، والثبات، ورباطة الجأش، كما تجلت في قدرة المولى عز وجل ونصره وتأييده لرسوله ودينه القويم.

بعد أن تعرض العقاد لمولد النبي وعلاماته، في بيئة وعالم متداعٍ، يتطلع إلى حال غير حاله، وعالم يتهيأ للتبديل أو الهدم ثم البناء. وفصل في نسبه الشريف، فهو خير رجل من خير أب من خير بيت من خير قبيلة من خير أمة، استرسل بعد فصل عبقرية الداعي، إلى فصل عبقرية محمد العسكرية، في وصف إجلاء الشبهة عن مسألة القتال واختلاف الدين الإسلامي عن باقي الأديان في هذا الباب، مبرهنًا على ذلك بحقائق مثبة، وأولها أن القائلين بأن الإسلام دين قتال إنما يصدق لو صدق في بداءة عهد الإسلام، فلم يكن للمسلمين في بداية عهدهم بالإسلام لا جند ولا سلاح، بل كان الإسلام هو المعتدى عليه.

وكما قال فحروب النبي كانت كلها حروب دفاع، ولم تكن منها حرب هجوم إلا على سبيل المبادرة بالدفاع بعد الإيقان من نكث العهد والإصرار على القتال من طرف قريش.

والحقيقة الثانية، أن الإسلام إنما يعاب عليه أن يحارب بالسيف فكرة يمكن أن تحارب بالبرهان والإقناع، ولا يعاب عليه أن يحارب بالسيف سلطة تقف في طريقه وتحول بينه وبين أسماع المستعدين للإصغاء إليه.

هذه أهم الحقائق التي وضحها العقاد في تفسيره لعبقرية محمد، في الحروب والدفاع مع حقائق أخرى لا تقل أهمية.

وكذلك قارن العقاد بين شخصية محمد صل الله عليه وسلم، كنموذج لقائد من العصر الغابر وبين نابليون بونابرت كنموذج للقادة المحدثين، الذين تعلموا في المدارس الحربية، وتدربوا على أقوى الأسلحة، ودرسوا الخطط العسكرية في أقوى المعاهد والمدارس الحربية، وجعل مقارنته في سبعة عناصر مزيجا بين الفكر والتدرب والعدة والعتاد، فكان التفوق النبوي وكانت عبقرية محمد في قيادته لعبقرية ترضاها فنون الحرب، وترضاها المروءة، وترضاها شريعة الله والناس، وترضاها الحضارة في أحدث عصورها، ويرضاها المنصفون من الأصدقاء والأعداء.

ومما قاله العقاد في في معرضه بين القائدين من الناحية العسكرية: «عندما تنعقد المقارنة بين المعارك القديمة والمعارك المعاصرة ينبغي أن ننظر إلى فكرة القائد قبل أن ننظر إلى ظواهر المعارك أو إلى أشكالها وأحجامها، لأننا إذا نظرنا إلى الظواهر فلا معنى إذا للمقارنة على الإطلاق إذ من المقطوع به أن عشرة ملايين يجتمعون في ميدان واحد أضخم من عشرة آلاف، وأن حربًا تذاع بالمذياع والتلفزيون أعجب من حرب تدار بالفم والإشارة، وأن نقل الجنود بالطائرات والدبابات أبرع من نقلهم على ظهور الخيل والإبل».

هذا بعض مما تيسر للعبقري العقاد في توضيح عبقرية سيد الأنام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العقاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد