يميل الإنسان بطبعه للشعور بأن الكوارث لا تحدث متتالية، إلا أن الشعب اللبناني يختلف حاله فقد أًصبح ينتظر كارثة جديدة كل يوم، فبعد كل ما عاناه في الأشهر الأخيرة من انهيار سياسي، اقتصادي، نقدي، ميعشي، صحي، وتعليمي اضافة إلى الانفجار المهول الذي عصف ببيروت في الرابع من أغسطس (آب) 2020 استيقظ اللبناني اليوم على فاجعة جديدة.

فإن أزمة المحروقات، التي تتفاقم في لبنان يومًا بعد يوم، والتي دفعت باللبنانيين للتجمهر حول محطات المحروقات عند سماع أي خبر عن فتح المحطات أبوابها، بعد أن سببت عدة إشكالات متفرقة حصدت أرواح بعض الشباب أوصلت اليوم إلى انفجار صهريج وقود حصد أرواح 28 قتيلًا حتى الآن، إضافة إلى عشرات الجرحى، بينهم حالات حرجة. فبعد إعلان حاكم مصرف لبنان عدم القدرة على دعم المحروقات لوصول العملة الصعبة إلى الاحتياطي الإلزامي الذي لا يجب تخطيه – وهو الذي تستنزفه خطط الدعم العشوائية التي تسمح للمهربين بتهريب المحروقات المدعومة إلى سوريا وبيعها بسعر أعلى وحرمان اللبنانيين منها – توقفت المحططات عن تعبئة المحروقات للناس بحجة نفاد الكمية. عندها قرر الجيش فتح المحططات بالقوة للتأكد من نفاد صهاريجها؛ ما دفع الناس إلى الانكباب بشكل جنوني عليها بعدما تناثر خبر توزيع المحروقات مجانًا.

على المقلب الآخر، فقد اتضح فعلًا وفي عدد كبير من المحطات كذب رواية أصحابها، وأن محطاتهم لم تنفد صهاريجها من الوقود، ولكن بعضهم يخزن كميات كبيرة بهدف تهريبها إلى سوريا، خاصة في مناطق محادية للحدود اللبنانية السورية، كعكار، أو لبيعها في السوق اللبنانية بعد ارتفاع الأسعار.

وبالعودة للحادثة، فقد ذكرت المصادر أن الصهريج الذي انفجر وتسبب في هذه الفاجعة يعود إلى المدعو جورج رشيد المحازب في التيار الوطني الحر، والذي يقوم بتهريب المحروقات إلى سوريا من بلدة التليل في عكار مستعينًا بهذه الصهاريج المخبئة وبتغطية من حزبه ونائب منطقته أسعد ضرغام. وقد ذكر شهود عيان أن الانفجار قد حدث بعد إطلاق النار على الصهريج من قبل ابن جورج رشيد. فقد كثرت المناوشات في الآونة الأخيرة جراء قيام عدد من المواطنين بإيقاف عدد من الصهاريج المعبأة بالمحروقات والمتوجهة إلى سوريا.

إن هذه المأساة لم تنتج من فراغ فهي وليدة الانفجار المعيشي الذي سببه الانهيار الاقتصادي المصحوب بانسداد الأفق السياسي والذي تلخص بشلل كامل بالمؤسسة التنفيذية التي لم تستطع التشكل بعد، والتي تكبلها المصالح الحزبية والطائفية.

فعلى صعيد رئاسة الجمهورية فيسعى الرئيس بحكم الأمر الواقع لاستعادة الحقوق التي خسرها هذا المنصب بعد اتفاق الطائف، فيستغل عدم تشكيل الحكومة فيحاول تسيير البلاد عبر المجلس الاعلى للدفاع الذي يرأسه، وبذلك يعتبر أنه يمسك بتلابيب القرار في البلاد. ولكن المجلس الأعلى للدفاع لن يستطيع إخراج لبنان من أزمته التي تحتاج لإصلاحات سريعة وقرارات حازمة وتشريعات عاجلة تسمح للدولة عبر مؤسساتها التشريعية والتنفيذية بضبط التدهور الاقتصادي، والتي تؤهل البلاد للتواصل عبر الحكومة مع المجتمع العربي والدولي للحصول على مساعدات مالية عاجلة تسد شيئًا من عجز الدولة عن تأمين مستلزمات المعيشة الرئيسة.

ولكن الخطوة الأولى بعد النية هي تشكيل حكومة، وهو المتعثر حتى الساعة؛ نظرًا لأهمية هذه الحكومة التي ستدير البلاد في هذه الفترة الحرجة والتي ستشرف على عملية الانتخابات القادمة والتي تنصب أعين القوة السياسية عليها في محاولة كل منها لإعادة التموضع بأفضل طريقة بخاصة وسط الحديث عن اتفاق طائف جديد يحاك في الأفق.

ولكن وعلى جثث الضحايا يعبتر البعض أن هذه القرارات القاسية، التي سيكللها رفع الدعم والذي سيرفع صفيحة البنزين أربعة أضعاف، والذي سينسحب على كافة القطاعات، دون أي خطة دعم بديلة لحد الآن، ضرورية قبل ولادة الحكومة. يعتبر البعض أن هذه القرارات آتية لا محالة، ولكن أين كان الرئيس الذي سيشكل الحكومة لا يريد أن يكون في الواجهة عند اتخاذ هذه القرارات غير الشعبية. عليه، يهمس هنا وهناك أن القرارات الصعبة يجب أن تتخذ قبل تشكيل الحكومة وهو ما يطمئن أي رئيس حكومة قادم.

ولكن وكما أسلفنا ان كل هذه الخطوات يواجهها صراع الأولويات فإن مختلف الأحزاب الحاكمة تضع نصب أعينها الانتخابات القادمة أو الحسابات السياسية الاقليمية ولو كان ذلك على حساب لقمة عيش المواطن في ظل صمت عربي دولي يعتبر أن ما آلت اليه الأمور هو بسبب قيادة حزب الله للبلاد وأنهم لن يتقدموا للمساعدة ما دام حزب الله يسير لبنان.

إن لحظة الانهيار شبه التام التي وصلت إليها البلاد والتي تحصد جراءها وجراء مسبباتها عشرات الأرواح ستستمر لحين حصول انفراجة سياسية. ولكن حتى ذلك الحين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد