انتشرت المقالات بشكل مخيف في وقت ما عن الصبر والابتلاء، وفجأة دون سابق إنذار تجد النجوم تتساقط، ويحل لأحدنا أن يجلس للحظات يتأمل حقيقة ما يجري من حوله، فمن يرى ببصيرته لا بعينيه المجردة يستطيع أن يدرك وجود الجراثيم والميكروبات تحت الجلد تجري مجرى الدم من أحدنا فتتسبب له بالأمراض والأسقام دون أن نستطيع مشاهدتها. يقال قديمًا: «الله ما انشاف بالعقل انعرف» ولا بد لأحدنا أن يدرك أن المسرح العربي الذي نشاهد فيه شتى أنواع القصص مليء بالبكتيريا التي يحلو للبعض تسميتها بالمفيدة تيمنًا بتصنيفاتها الطبية، وبعبارة أخرى تبريرها لوجودها وفي محاولة حثيثة لتشريع سلوكياتها.

هالني في يوم من الأيام إذ كنت مقيمة عند قريبتي لبضعة أيام ترانزيت سفر كما يقال، وقمت مبكرة على عادتي منذ الساعة الرابعة فجرًا وأردت أن أصلي ركعتين، ولكني قبل أن أقوم من مقامي تفاجأت بصوت يتسلل إلى أذني من اثنين يتناجيان بجانبي ظانين أني نائمة، وأن صوتهما الخفيض لا يصل إلي، ببساطة سمعتهما يتحدثان عن مؤامرة حول سيدة أعرفها في العائلة ويا لهول ما سمعت. شاهدتهم يرمون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وذهلت لشدة مكرهم ثم دعوني أقص عليكم ما حصل.

تم طرد سارة من وظيفتها لأنهم ببساطة يريدون اقتسام حصتها من الكعكة، ثم من هذه هي سارة التي تحصل على ما تبذل جهدًا له بينما يعجز أحدهم أن يصبر على نفسه ليفهم مسألة رياضيات تبذل هي الساعات لتفهمها وتقرأ عنها وتدرسها؟ لكن طبعًا لا بد لهم من تبرير فعلهم وإخفاء آثار الجريمة وإن كنت ما أزال عند رأيي القديم: «المجرم يعود إلى ساحة الجريمة» وهذا ما زاد في فضيحتهم لأنهم ببساطة حاولوا إخفاء جريمتهم. فقبل أن يخبروها أنها مطرودة من عملها أعدوا العدة ورباط الخيل ليوقعها في بئر يوسف، وشتان طبعًا بين نبي ينجيه الله وفتاة لم تعرف من الحياة سوى نيفها وعشرات الكتب ودعاء في كل ليلة منذ بلغت التاسعة من عمرها. بدأ كل منهم يضغط عليها وطبعًا لا بد من اتهامها بأنها هي المهووسة نظرًا لأنها لا يمكنها أن تتهم الجميع بالإساءة إليها، وطبعًا كل منهم ضربها ضربة صغيرة ويمكنكم أن تتخيلوا كيف للمجموعة أن تتنمر على الفرد فلا يكون هناك أي دليل ضد أحد منهم. ثلاثة أشهر رأت الأمرين وجاهدت للحفاظ على وظيفتها. ومن زيادة الكيد لها مساعدة أختها لأعدائها بعد إغرائهم لها بالمال وتهديدهم بفضح علاقتها بشاب في الجامعة. لا مبرر للأخت إذا كان بإمكانها التكاتف مع أختها وإخبارها الحقيقة والتعاون معًا وليس الشيطان شاطر كما يقال بالرأي بل المصالح أقوى من أي شيطان.

ثم طبعًا لا بد من إخفاء آثار الجريمة؛ حيث تم قبول سارة للعمل في 3 مؤسسات بعدها وتم طردها فورًا خلال مدة عمل لا تزيد عن 3 أشهر أيضًا، وذلك لإثبات عدم كفاءتها. توالت الإساءات إذ يشبه الأمر وقوف طفل في زاوية الصف الأول في صلاة الجمعة ليأتي رجل كبير يزيحه بطرف رجله إلى الصف الذي يليه، ويقوم بالفعل ذاته الرجل الذي يليه وهكذا حتى يصل الطفل الذي حضر للمسجد لأول مرة فرحًا ومرتديًا ثيابه الجديدة حسب توصيات أمه وتشجيعها له ليصل إلى الصف ما بعد الأخير وتنزل دمعة حارة على عينيه. ثم ما كان من شاب إلا أن أدرك بذكائه الطبيعي وليس العاطفي احتياجات هذا الشاب الجيد البالغ من العمر 15 عامًا وغيره يعتبره طفلاً، متناسين أن جيوش المسلمين قامت في يوم على شباب أعمارهم في السابعة عشرة فقط، ولم يكن من الإسلام آنذاك سوى فرض الصلاة والجهاد بالسيف.

يقوم الشب بالتظاهر أنه تم إبعاده من الصفوف الأولى ليعود ويقف خلف الطفل، ثم يسأله إن كان يستطيع الوقوف بجانبه مراعاة له، ويقدم يده بالسلام تحية له ليبتسم من يلقبونه بالطفل مدركًا أنها مجرد مواساة لا أكثر ويتذكر المبدأ الذي يعامله به الجميع «اللي يزعل يزعل لوحده واللي يرضى يرضى لوحده». تنتهي صلاة الجمعة ويؤنب الأب ابنه على مغادرة مكانه وابتعاده على اعتبار أن هذا سبب له قلقًا، بينما كان باستطاعته مهاتفة ابنه لو كان مهتمًا حقًا على جواله الآيفون 7، وعند إخبار الابن أباه بالقصة يزيده من الشعر بيتًا «أيوه يا بابا في ديننا نحترم الكبير ونوقره وله الأولوية ونرحم ضعفه وأنت غلط!» يخبره الابن أن ذلك الرجل ليس كهلاً بل في عز شبابه، ولكن مزمار الحي لا يطرب. وهكذا سمعت سارة التعليق ذاته ممن حولها، ولكنها لم تكن ساذجة لتشكر زميلتها الشابة التي واستها لأنها تحرت عنها وعرفت أنها «من الشلة» وأن هذا التصرف كان جزءًا من خبث الحيلة ويعبر عن إدراك «الشلة» لمدى سوء فعلهم. طبعًا تأتي آخر زميلة من الشلة لتحدثها عن ابتلاء الله للناس وأن ما رأته سارة من تصرف زميلتها كالشاب الذكي عاطفيًا لم يكن سوى دلالة على أن يومًا سيكون لك ويومًا سيكون عليك وأن عليها الانتظار فقط لانتقام الله.

تغيرت حياة سارة جذريًا بعد ما حصل لها وأدركت سعة حيلة من حولها وخبثهم؛ حيث كان اتهامها بالسذاجة شديدًا أيضًا على نفسها. تدرك سارة أن مجتمعها يعيش ما يسمى بوهم الابتلاء ووهم وجود الله ووهم وجود الحقوق. أقول لك سارة من منبري هذا أن السعادة تنتزع وتستحق ولا تأتي. أن السعادة لا تتسع للجميع مصداقًا لقول الرسول – عليه الصلاة والسلام- فمنهم شقي وسعيد. عليك يا سارة أن تتعلمي بناء سعادتك على تعاسة الآخرين، فهذه هي الحياة، وهل تظنين أن الإسلام بني إلا على أنقاض انهيار دين آخر اسمه الكفر بالله؟ وهل تظنين أن نجاح محمد لم يكن إلا بأفول أبي جهل؟ وهل تظنين أن جسدًا يحيا دون أن يفنى جسد آخر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد